وكان كلام زياد له يشبه معنى ما كاتبه [به] أبوه، وكن فيما ذكره في كتابه بعد دعاء الصدر: وراجع بك إلى الحال التي يحصل لك عاجلها، ويتوفر عليك ثواب آجلها، ولا حرمك ثواب بري وطاعتي، وصرف عنك وزر عقوقي ومعصيتي. ثم قال له فيه: أحين فقأت النعمة فيك أعين الأعداء، وبلغت الغاية القصوى من سرور الأولياء، وبلغت السن التي يكون معها انتفاع الوالد بولده، واستحكمت ثقتي بك، وحسن ظني بالأيام فيك، واستكفيت على كفايتك وعنايتك عني، أتيت ما لا يحسن بك، ولا يجمل بمثلك، أستكفي الله، جل اسمه، مئونة من حملك على ذلك، وغلبك على رأيك، فقد سعى في دينك بما ثلمه، وعيشك بما كدره، ودنياك بما نقصها، وآخرتك بما أفسدها، ومروءتك بما أزرى بها، ونعم الله، عز وجل، عليك بما يدعو إلى تبديلها وما، أنا بآيس من أن يثيبه على عظيم ما ركبه منك، وجليل ما جناه عليك في تضييعك حقي، وما ألبسك من ثوب معصيتي، وعرضك إليه من سخط الله، جل ثناؤه، وغضبه في إسخاطي ومخالفتي، فإنك إذا ميزته وتبينته لم تجده إلا أحد رجلين؛ إما رجل أطعنا الله، عز وجل، فيه، فلزمنا أخذ جناية جناها منه، أو رجل طمع في مالك فاغتنم شغل قلبك فقال: أفوز بحظ من دنياه في هذا الرهج الساطع، فإن أحسست في أمره نقصا لجأت به إلى حيث لا يعرف خبري ولا يدري أين أمري، فميز من شئت من خلصائك ونصحائك، فقد ترى أمرك، فإنك لا تجده يخرج من هذين القسمين، والله المستعان.
قال زياد: فلما غدونا إليه وسلمنا عليه وجدناه قد حال عما كنا شاهدناه منه، فقال لي: يا زياد، والله إن أبي ما نوى لي خيرا. فقلت له: يا سيدي، كيف يليق
5
هذا بصدرك وأنت تعلم أنه ما طلعت الشمس على أحب إلى أبيك منك؟! فالتفت إلى بكار القاضي فقال له: يا أبا بكرة المستشار مؤتمن، وأنا أقلدك أمري، أسألك بالله هل تأمنه علي؟ فقال له بكار، لما كان عليه من الدين والورع والزهد: قد حلف أبوك لك ألا يسوءك، فإما يفي لك بما حلف أو لا يفي، وما يعلم الغيب إلا الله جل اسمه.
فلما سمع أصحابه قول بكار، قالوا له: كيف رأيت؟ لو تحقق القاضي ما يثق به منه لما قال هذا. فكتب لنا جوابا للكتاب وشرط فيه شرائط مجحفة، وأغلظ في خطابه لأبيه بإنشاء ابن حدار الكاتب، وانصرفنا إلى أبيه وعرفناه ما جرى بيننا وبينه، ولم تزل بينهما مكاتبات ومراجعات.
ثم دعت العباس حماقته [إلى] الخروج إلى إفريقية،
6
ثقة بما معه من المال والعدة والعدة، ورأى أن ذلك يقيمه ويوصله إليها، وحسن ذلك وأطمعه فيه أصحابه، ليبعدوا عن أبيه، وصغروا عنده أمر إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحب إفريقية، وكاتب وجوه البربر فتسرعت إليه منهم جماعة كبيرة العدة، وفرق فيهم صدرا
7
من المال الذي كان معه، وتخلف عنه أكابر القبائل، واعتلوا عليه بأن بينهم وبين قوم ترات، ولا يأمنونهم عند خروجهم عن أوطانهم على أموالهم وحرمهم، فرأى أن من حصل معه كاف له.
وكتب إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب يقول: إن المعتمد بالله أمير المؤمنين قد قلدني إفريقية، وإنه أمره بالخروج إليها. ويأمره بإقامة الدعوة له، ورحل بأكثر من معه وأكثر المال والذخائر، حتى انتهى إلى حصن يقال له: «لبدة» ففتحه أهله له، وخرج إليه عامل ابن الأغلب به، فتلقاه بأجمل تلق فقابلهم بضد ما استحقوه منه، وأطلق لأصحابه نهب الحصن، فنهبوا وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وهتكوا من لم يصلوا إلى سبيه، فهرب أهل الحصن إلى إلياس بن منصور الزناتي [النفوسي] رئيس الإباضية،
8
واستغاثوا إليه، وشكوا ما نالهم منه، فدخلته حمية الإباضية، فغضب من ذلك غضبا شديدا، وكان العباس قد كاتبه يأمره بالسمع والطاعة له، وإلا رحل إليه، ووطئ بلده، وبلد النفوسي بمعزل عن الناس، ممتنع لنجدته وكثرة أهله وقوتهم، ولم يؤد النفوسي إلى الأغلب طاعة قط، فرد الجواب مع رسوله يقول: قل لهذا الغلام إنك أقرب الكافرين مني وأولاهم بمجاهدتي، وقد ظهر من قبيح فعلك ما لا يمكنني معه التخلف عنك وعن جهادك، وأنا على أثر رسالتي إليك.