وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي في غداة باردة إلى المقس
222
فأصاب بشاطئ النيل صيادا عليه خلق لا يواريه منه شيء، ومعه صبي له في مثل حاله، وقد ألقى شبكته في البحر، فرآه مولاي فرق له، وقال لي: يا نسيم، ادفع إلى هذا الصياد ثلاثين
223
دينارا، فتأخرت حتى دفعتها إليه، ولحقت به فلم يبعد حتى رجع، فوجدنا الصياد ميتا ملقى والصبي يبكي ويصيح، فظن مولاي أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير منه، فوقف بنفسه عليه، وسأل هذا الصبي عن أبيه فقال له: هذا الغلام، وأشار إلي، دفع إلى أبي شيئا، فلم يزل يبوسه حتى وقع ميتا.
فقال لي مولاي: فتشه. فنزلت وفتشته، فوجدت الدنانير معه بحالها، فحرضنا الصبي أن يأخذها فأبى، وقال: هذه قتلت أبي وإن أخذتها قتلتني. فأحضر مولاي قاضي المقس وشيوخه، وأمرهم بأن يشتروا للصبي دارا بخمسمائة دينار يكون لها غلة
224
فاشتريت وحبست عليه، وكتب اسمه في جملة من كان يجري عليه جرايته في كل شهر، وقال لي: يا نسيم نحن قتلناه، الغنى يحتاج إلى تدبير، وإلا قتل صاحبه، كان يحب أن يدفع إليه دينار بعد دينار حتى تحصل له هذه الدنانير ولا تدفع إليه جملة.
وحدث طاهر الكبير قال: كان لمولاي برج حمام هيتي
225
فصعد إليه يوما وجلس على كرسي بين يدي البرج يستعرضها، فأخرجت إليه ما كان عندي من الفراخ، فنظر إليها وسرحها تدرج بين يديه، وكان عددها ثمانية، ثم أمرني بردها فرددت سبعة وإذا بالثامن قد درج فصار خلفه، فقال لي: قد بقي واحد. فقلت: هو خلف مولاي. فقال لي: خذه. فمددت يدي إليه لآخذه فارتعدت هيبة له أن أمد يدي خلفه، فتبين ذلك مني، فقال لي: تنح. فتنحيت فوضع خده على التراب، في الموضع الذي كانت قدمي عليه، وبكى وأقبل يمرغ خديه ولحيته في التراب ويتضرع إلى الله، جل اسمه، ويسأله العفو عنه وإلهامه الشكر على نعمه عنده.
وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب صوف وفي أيديهم مساح ومعاول، فسألهم عما يعملون، فقالوا: نحن نقوم نطلب المطالب،
226
فقال لهم: لا تخرجوا بعد هذا الوقت إلا بمنشور
227
ورجل من قبلي يكون معكم. فقالوا له: سمعا وطاعة للأمير، أيده الله. فسألهم عما رفع إليهم من الصفات، فذكروا له أن في سمت الأهرام
228
مطلبا قد عجزوا عنه؛ لأنهم يحتاجون في إثارته إلى جمع كبير ونفقات واسعة؛ فإن فيه مالا عظيما. فنظر مولاي إلى شيخ من أصحابه يعرف بالرافقي من أهل الثغر فضمه إليهم، وتقدم إلى عامل معونة الجيزة في دفع جميع ما يحتاجون إليه من الرجال والنفقات. وانصرف مولاي فأقام القوم مدة يعملون حتى ظهرت لهم العلامات، فوافانا الرافقي وأعلم مولاي بذلك، وأن أمره قد قرب، فركب وسرنا معه حتى وقف على الموضع، فلما رآه الناس جدوا في الحفر، فكشفوا عن حوض كبير عظيم مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبزنطية،
229
فأحضروا من قرأه فكان: أنا فلان بن فلان الملك الذي ميز الذهب من شئونه وغشه وأدناسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإن مخلص الذهب من الغش مخلص في محياه وبعد مماته. فقال مولاي: الحمد لله، يا نسيم ما نبهتني عليه هذه الكتابة أحب إلي من المال. ثم أمر لكل رجل كان يعمل فيه بمائة دينار ووفى الصناع أجرتهم، ووهب لكل رجل منهم خمسة دنانير، ودفع إلى الرافقي منه ثلاثمائة دينار، وقال لي: يا نسيم، خذ لنفسك منه ما شئت، فقلت: ما يأمرني به مولاي. فقال لي: خذ منه ملء كفيك جميعا، وخذ من غيره من بيت المال مثل ذلك مرتين، فإني أشح على هذا. فبسطت كفي فملأهما، فحصل لي منه ألف دينار، وكان عيار الدينار منه أجود من عيار السندي بن شاهك ومن عيار المعتصم، ولم يكن يرى أجود منهما، فتشدد مولاي من ذلك اليوم في العيار، حتى لحق ديناره بالعيار المعروف به، وهو الأحمدي الذي لا يطلى بأجود منه.