تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما إذا نفى اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال، وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قاله، لكونه ملتزماً لرسالته، فلماذا لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وإن كان لازماً له: ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفعه واللازم الذي نفاه ولا يلزم من كونه نصَّ على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه، لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين) (1).

ولهذا اتفق الفقهاء (2)، وأهل الحديث، وعلماء العقيدة أن: (من ثبت إسلامه بيقين، لا يُحكم بكفره إلا بيقين) (3)، وهذا مبني على قاعدة فقهية مشهورة، وهي: (اليقين لا يزال بالشك).

المعتزلة لا يعذرون بالجهل، وقد رد عليهم الصنعاني، وقال الصنعاني-فيما نقله عن الهادوية: (ولا يجوز إكفار الغير إلا بيقين (4) ... قال النجري وغيره: فالتكفير والتفسيق بغير دليل قطعي معصية محتملة عندنا، ثم قال: واعلم أن جميع ما ذكرنا في التكفير جار في التفسيق، فلا يكون تفسيق الغير إلا عن دليل قاطع) (5).

وقال محمد بن عبد الوهاب-كما في: (مجموع مؤلفات الشيخ، والرسائل الشخصية) (12/ 60) -: (إنما نكفِّر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نُبيِّنُ له الحجة على بطلان الشرك).

وقد بينت هذا بتوسع في منظومتي المسماة: (شوارد الأنس في نظم وشرح القواعد الفقهية الخمس):

وثاني: "يَقِينٌ ليْسَ يُرْفَعُ يَا فتى * بشكٍّ" فَصُنْ فِكْراً لديْكَ من الوَهْمِ

كما هو شأن الغُسْلِ يَنفِي قَذَارَةً * فإنْ كُنتَ مُرْتَاباً فقَدْ جِيءَ بِالحَسْمِ

فقد وبخ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أسامةَ بنَ زيد لما قَتَل رجلاً بعد أن قال: "لا إله إلا الله"، فقال له: "أقال: لا إله إلا الله وقتلتَه؟ "، قال: قلتُ يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟ "، فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" (6).

وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين في: (شرح صحيح مسلم) (1/ 224/225/رقم:158/ 159): (وإنما تمنى ذلك، لأن الكافر إذا أسلم غُفر له ما تقدم، لقول الله عز وجل: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين) (سورة الأنفال، رقم الآية:38)، فلهذا تمنى ألا يكونَ أسلم من قبل حتى يُسلم، فيُغفر له ما سبق).

(1) -انظر: (مجموع الفتاوى) (29/ 41/43)، و (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:212).

(2) -ما عدا خلافاً غيرَ معتَبَر لبعض للمالكية، فلا عبرة به.

(3) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:180).

(4) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:40).

(5) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:180/ 190).

(6) -أخرجه مسلم في: (صحيحه)، كتاب الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد قوله: "لا إله إلا الله"، (رقم:140).

مزالق التكفير · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مزالق التكفيرص ١٠