معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» (1).
أما إذا جاهر الشخص بمعصيته وأظهرها، فالناس يرونها منه أو يرون أثرها واضحاً؛ فإنه بفعله ذلك قد أسقط حُرمة نفسه وأضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له بإظهار ما فعله من المنكر، ويكون بذلك قد عرّض نفسه للإهانة والردع (2).
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: «كل أمتي مُعافَى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه» (3).
فالمجاهرون: هم الذين جاهروا بمعاصيهم، وأظهروها، وكشفوا ما ستر الله عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة (4). بل للتّباهي أو نحوه، مما يكون سبباً في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. قال ابن بطال: (في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم) (5).
ومن خلال ما تقدم من أدلة يظهر - والله أعلم- أن الأدلة الواردة في النهي عن التجسس إنما هي خاصة بمن لم يجاهر بالمعصية، أما من يعلن معصيته ويجاهر بها، فإنه يشرع للمحتسب الاحتساب عليه، وذلك لردعه وكف شره.
ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم قال: قال - صلى الله عليه وسلم - «من أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نُقِمْ عليه كتاب الله» (6).
(1) () أخرجه أبو داود (4888).
(2) () الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د/ عبد العزيز المسعود (1/ 221).
(3) () أخرجه البخاري (6069) ومسلم (2990).
(4) () شرح النووي على مسلم (18/ 119).
(5) () فتح الباري (10/ 487).
(6) () أخرجه مالك في الموطأ (2/ 825).