جاء عن بعض السلف: (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه) (1).
وحد البصيرة هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿بلّغوا عني ولو آية﴾، فلا يجوز لإنسان أن يترك الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بحجة أنه لا يملك البصيرة، فالمراد بالبصيرة هنا: أن يكون بصيرة فيما يدعوا إليه، فإذا أردت أن تنكر منكراً كأن تنكر على الناس مسألة صلاة الجماعة فيجب عليك أن تكون عالماً بحكمها وأدلتها، ومتى يجوز للإنسان تركها، ومتى لا يجوز، وغير ذلك من أحكامها، أما أن يتعلل البعض بأنه لا يملك الحلم الشرعي الكافي لإنكار المنكرات، فهذا من تلبيس إبليس لصدّ الناس عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (إن أول زاد يتزود به الداعية إلى الله عز وجل أن يكون على علم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة المقبولة، وأما الدعوة بدون علم فإنها دعوة على جهل، والدعوة على جهل ضررها أكبر من نفعها، لأن الداعية قد نصب نفسه موجها ومرشدا، فإذا كان جاهلا، فإنه يكون ضالا مضلا، والعياذ بالله.
ثم تأمل أيها الداعية إلى قول الله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي على بصيرة بثلاثة أمور:
1 - على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالماً بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجباً وهو في شرع الله غير واجب، فيُلزِم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرماً وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحل الله لهم.
2 - على بصيرة من حالة المدعو، ولهذا لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن قال له: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله ..... » (2).
فمن الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: معرفة أحوال الناس، وظروف وطبيعة المجتمع، وخصائص العصر؛ لكي يتمكن من مخاطبة الناس على قدر أحوالهم وطاقاتهم، بحيث
(1) () مختصر منهاج القاصدين ص (131).
(2) () أخرجه البخاري (1496) ومسلم (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما.