تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنهم يَسْتَقْصِرُونها، ومع ذلك فإنَّ الذي يَمُرُّ به أيامُ فَرَحٍ ثم يأتيهِ بعدَه أيامُ حُزْنٍ؛ يَتلاشى ما كان فيه، وما كان عَرَفَه مِن أيامِ ذلك الفرَحِ ونحوِها، ولو كانت سنواتٍ، ولهذا يقولُ بعضُهم:

مَسَرَّةُ أحقابٍ تلقَّيْتُ بعدَها مساءةَ يومٍ إنها شِبْهُ أنصابِ

فكيفَ بأنْ تَلْقَى مَسَرَّةَ ساعةٍ وراءَ تَقَضِّيها مساءةَ أحقابِ

أما اليومُ الذي مِقدارُه خمسونَ ألْفَ سنةٍ؛ فلا شَكَّ أن ظاهرَ السياقِ يَدُلُّ على أنه يومُ القيامةِ، ويُمْكِنُ أنه يومٌ قبلَ خلْقِ السماواتِ والأرضِ. اللهُ أَعْلَمُ.

وقالَ ابنُ جريرٍ: حدثني يعقوبُ يعني: ابنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن مهديِّ بنِ ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ قالَ: جاءَ طَلْقُ بنُ حبيبٍ إلى جُندبِ بنِ عبدِ اللهِ، هو جُندبٌ البَجَليُّ، فسألَه عن آيةٍ مِن القرآنِ، فتَوَقَّفَ جُندبٌ وقالَ: أُحَرِّجُ عليك إنْ كنتَ مُسْلِماً لَمَا قُمْتَ عَنِّي. أو قالَ: أن تُجَالِسَنِي.

جُندبٌ مِن صغارِ الصحابةِ، ويُمْكِنُ أنه ما تَلَقَّى عن تلك الآيةِ أحاديثَ مرفوعةً، أو أنه كان مِن الذين يَتوقَّفونَ عن تفسيرِ الآياتِ، فهذا الذي سألَه تَوَقَّفَ عن إجابتِه رَضِيَ اللهُ عنه، ويمكنُ أنه عَرَفَ أنه مِن المبتَدِعَةِ، مِن الذين يَتكلَّمونَ في بِدَعِهم بآياتٍ يَستَدِلُّون بها، أو يَجعلونَها كدليلٍ لهم على بِدَعِهم.

وقد كان الكثيرُ مِن السلَفِ رَحِمَهم اللهُ يَتَحَاشَوْنَ أن يَسألوا المبتدِعَةَ، أو يَسْمَعوا مِن المبتدِعَةِ، روى ابنُ بَطَّةَ في (الإبانةِ) آثاراً عن كثيرٍ مِن السلَفِ؛ أنَّ أحدَهم يَدْعُوهُ بعضُ المبتدِعَةِ يقولُ: اسْمَعْ مني آيةً، دَعْني أقرأْ عليك آيةً مِن القرآنِ، فيقولُ: قُوموا لا أَسْمَعُ منكم ولا تَقْرَبوني. ثم لماذا؟ يقولُ: إني أَخْشَى أن يُحَرِّفَها، أو يَذكُرَ دَلالتَها على بِدعتِه، فيَعْلَقَ بقلبي شيءٌ مما يَتعلَّقُ بتلك البِدعةِ التي يَتَشَبَّثُ بها، فهاهنا جُندبٌ أقامَ ذلك السائلَ، وقالَ: أُحَرِّجُ عليك إنْ كنتَ مسلماً لَمَا قُمْتَ عني. أو قالَ: أن تُجَالِسَنِي.

وقالَ مالكٌ: عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنه كان إذا سئلَ عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ قالَ: إنَّا لا نقولُ في القرآنِ شيئاً. مع أنَّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ مِن علماءِ التابعينَ، وأحَدُ الفقهاءِ السبعةِ، ومع ذلك لا يَذكرونَ عنه كثيراً في التفسيرِ, ليس كابنِ عباسٍ، وليس كمجاهِدٍ ونحوِهم، فهو يقولُ: إنَّا لا نقولُ في القرآنِ شيئاً. يعني: كأنه يقولُ: لا نقولُ فيه بغيرِ عِلْمٍ.

وقالَ الليثُ: عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، فهذا أيضاً إسنادٌ صحيحٌ؛ فإن الليثَ بنَ سعدٍ عالمُ مِصْرَ؛ يَرْوِي عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ العالمِ المشهورِ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنه كان لا يَتكلَّمُ إلا في المعلومِ مِن القرآنِ، لا يَتكلَّمُ في الشيءِ الذي يَعلمُه، وهذا مِن سعيدِ بنِ المسيِّبِ مِن بابِ الوَرَعِ.

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٨٠