تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقولُ: "وهكذا سَمَّى اللهُ تعالى القذَفَةَ كاذبينَ"، القذَفَةُ الذين قَذَفُوا عائشةَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فكَذَّبَهُم اللهُ تعالى؛ وذلك لأنهم تَخَرَّصُوا وقالوا بغيرِ عِلْمٍ، وقَذَفُوا عائشةَ وهم لم يَأتُوا بشهداءَ ولم يَعْلَمُوا.

ثم يقولُ: "القاذفُ كاذبٌ، ولو كان قد قَذَفَ مَن زَنَى في نفْسِ الأمرِ". لو أنَّ إنساناً ـ مَثلاً ـ رأى مَن يَزْنِي، ولم يكنْ عِنْدَه شهودٌ وقَذَفَه؛ فإنَّ ذلك القاذفَ إذا لم يأتِ بالشهودِ فإنه يُحَدُّ، يعني: يقامُ عليه حَدُّ القَذْفِ؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، مع أنه قد يكونُ صادقاً؛ لأنه أَخْبَرَ بما لا يَحِلُّ له الإخبارُ به، وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به, بمعنَى: أنه تَكَلَّفَ حيثُ تَكَلَّمَ بشيءٍ لم يَحِقَّ له التكلُّمُ به إلا بعدَ التثبُّتِ.

يقولُ: "ولهذا تَحَرَّجَ جماعةٌ مِن السلَفِ عن تفسيرِ ما لا عِلْمَ لهم به". جماعةٌ مِن السلَفِ، يعني: مِن الصحابةِ كما سيأتِي, ومِن التابعينَ وممن بَعْدَهم؛ تَوَقَّفُوا عن تفسيرِ كثيرٍ مِن الآياتِ ولم يُفْتُوا فيها ولم يُفَسِّرُوها؛ مَخافةَ أن يقولوا بغيرِ عِلْمٍ، كما أنَّ كثيراً منهم يَتوقَّفُونَ أيضاً عن الفُتْيَا؛ مخافةَ أن يَقولوا على اللهِ تعالى بغيرِ عِلْمٍ، فيأتي أحياناً السائلُ فيسألُ أحدَهم فيقولُ: سَلْ فُلاناً، ثم يذهبُ فيَسألُه فيقولُ: سَلْ فلاناً، ثم يأتي فيقولُ: سَلْ فلاناً، حتى يَرجعَ إلى الأوَّلِ، يَترادُّونها؛ مَخافةَ أن يَزِلَّ أحدُهم بهذه المسألةِ، فيَقعَ فيمَن يقولُ على اللهِ بغيرِ عِلْمٍ.

وكثيرٌ مِن الأئمَّةِ أيضاً تَأتيهم المسائلُ ـ سواءٌ في القرآنِ أو في غَيرِه ـ فيَتوقَّفونَ؛ يَخْشَونَ أن يقولَ اللهُ لهم: لماذا قُلْتُمْ وأنتم لَسْتُمْ على يقينٍ؟ كثيرٌ مِن الذين يَنقُلون عن الإمامِ أحمدَ بعضَ المسائلِ يَذكرونَ أنه لا يَجْزِمُ، بل يقولُ: أَرْجُو أن يكونَ كذا، وأحياناً يَتَوَقَّفُ، ويقولُ: أهابُ أن أقولَ فيها شيئاً، ويَخشى مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾.

يقولُ: روى شُعبةُ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن أبي مَعمرٍ, قالَ: قالَ أبو بكرٍ، أبو بكرٍ الصدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه، معلومٌ طولُ مُلازمتِه للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولكنه مع ذلك كان في غايةِ الوَرَعِ، فهو يقولُ في هذا الأَثَرِ: أيُّ أرضٍ تُقِلُّنِي، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي؛ إذا قُلْتُ في كتابِ اللهِ ما لم أَعْلَمْ؟. أيُّ أرضٍ تُقِلُّنِي: يعني: تَحْمِلُني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي: يعني: أنني إذا قُلْتُ ذلك فقد تَجَرَّأْتُ على اللهِ تعالى، فأكونُ قد أَخْطَأْتُ، فلا تَحْمِلُني الأرضُ لعِظَمِ ما قُلْتُه، ولا تُظِلُّنِي السماءُ لكِبَرِ ما تَقَوَّلْتُه.

ثم رُوِيَ أيضاً عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ سَلاَّمٍ: حدثنا محمودُ بنُ يزيدَ، عن العَوَّامِ بنِ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيقَ سُئِلَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقالَ: أيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي، وأيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي؛ إنْ أنا قُلتُ في كتابِ اللهِ ما لا أَعْلَمُ؟. ولكنَّ هذا مُنْقَطِعٌ؛ وذلك لأنَّ إبراهيمَ التيميَّ مِن صِغارِ التابعينَ، مِن تلامذةِ ابنِ مسعودٍ، ولم يُدْرِكْ أبا بكرٍ، ولعله أخذَه مِن ابنِ عباسٍ أو مِن ابنِ مسعودٍ؛ لأنه تَتَلْمَذَ عليهما.

وقالَ أبو عُبيدٍ أيضاً: حدثنا يزيدُ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ. أبو عُبيدٍ إسنادُه ثلاثيٌّ في هذا؛ أنه ليس بَيْنَه وبينَ أَنَسٍ إلا اثنانِ: يزيدُ هذا يَظهرُ أنه ابنُ أبي عُبيدٍ، وحُميدٌ هو حُميدٌ الطويلُ تلميذُ أَنَسٍ. ذَكَرَ: أنَّ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنه قَرَأَ على الْمِنْبَرِ قولَ اللهِ

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٧٨