وتَجِدُ هنا مَن يَذْكُرُها كأقوالٍ مختلِفةٍ، كابنِ جريرٍ رَحِمَه اللهُ، وعبدِ الرزاقِ وغيرِهم، فيَقَعُ في عباراتِهم تَبايُنٌ في الألفاظِ, يعني: نوعَ اختلافٍ في الألفاظِ وفي التعبيرِ، يَحْسَبُها مَن لا عِلْمَ عندَه اختلافاً؛ فيَحكيها أقوالاً، فيقولُ: في الآيةِ ثلاثةُ أقوالٍ: قالَ فُلانٌ: كذا، وقالَ فلانٌ: كذا، وفلانٌ كذا، وهذا قُصورٌ. ليس الأمرُ كذلك، قد تَقَدَّمَ أنَّ شيخَ الإسلامِ رَحِمَه اللهُ ذَكَرَ أنَّ تلك الاختلافاتِ فيما بينَهم ليس اختلافَ تَضَادٍّ، اختلافٌ يُسَمَّى: تَنَوُّعاً، أي: أنواعاً مِن الكلامِ داخلةً تحتَ معنًى واحدٍ، والدليلُ عليه أنَّ ابنَ جريرٍ عندَما يَحْكِي تلك الأقوالَ يَجْمَعُ بينَها فيقولُ: جائزٌ أن يكونَ كذا وجائزٌ أن يكونَ كذا، فإنَّ منهم مَن يُعَبِّرُ عن الشيءِ بلازِمِه أو نظيرِه، وقد تَقَدَّمَ أمثلةٌ لذلك، يُعَبِّرُ عنه بلازِمِه أو بنظيرِه يعني: بما هو مُشابِهٌ له، أو بما هو نوعٌ منه، أو نحوُ ذلك. قد ذَكَرْنا أنَّ ابنَ جريرٍ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرُ الْمُقَنْطَرَةُ﴾ ذَكَرَ اختلافَهم في القناطيرِ المذكورِ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾، وفي قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾، فعباراتُهم تَدُلُّ على أنَّ القنطارَ هو المالُ الكثيرُ، ولا حاجةَ إلى تقديرِه بعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، مما يَدُلُّ على أنَّ هذا جائزٌ أن يُعَبَّرَ عنه بنظيرِه أو بلازِمِه أو بجزءٍ منه.
ومنهم مَن يَنُصُّ على الشيءِ بعينِه، يعني: منهم مَن يُعَبِّرُ بلازِمِه، ومنهم مَن يُعَبِّرُ بنظيرِه، ومنهم مَن يَنُصُّ عليه بعينِه, والكلُّ بمعنًى واحدٍ في كثيرٍ مِن الأماكنِ، فلْيَتَفَطَّنِ اللبيبُ لذلك، واللهُ الهادِي. واختلافُهم يكونُ اختلافَ تَنَوُّعٍ كما قُلْنا، وهو أيضاً دليلٌ على عنايتِهم بالقرآنِ، وكثرةِ اجتهادِهم في مَعرفةِ مَعانيهِ، وتفسيرِهم له؛ حتى يكونَ ظاهراً، إذا قرأهُ القارئُ عَرَفَ ما قَرَأَ، وعَرَفَ المدلولَ الذي تَدُلُّ عليه تلك القراءةُ وما أَشْبَهَها، والذين يَذكرونَها أقوالاً؛ يُريدونَ بذلك أنها أَقوالٌ في الظاهرِ، يعني: قولَ كذا وقولَ كذا؛ مِن غيرِ أن تكونَ مُتبايِنَةً في الأصْلِ، ويُرْجَعُ في ذلك إلى التفاسيرِ التي تَحْكِي الكثيرَ مِن الأقوالِ مع كونِها مُتقارِبَةً.
ولا شَكَّ أنه قد يَحْصُلُ أيضاً بينَهم شيءٌ مِن الاختلافِ، فمَثلاً فَسَّرُوا النُّسُكَ في قولِه تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وأكثرُهم على أنه يَكْفِي في النُّسُكِ شاةٌ، وبعضُهم قالَ: لا، بل لا بُدَّ مِن بَدَنَةٍ، وبعضُهم فَسَّرَ النُّسُكَ بأنه العمرةُ أو العبادةُ؛ لقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، والذين فَسَّرُوه بالدمِ اسْتَدَلُّوا بقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ أي: أنَّ النُّسُكَ هو العبادةُ، وقيلَ: هو الذبْحُ. هذا مِثالٌ.
وكذلك الدمُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قالَ بعضُهم: شاةٌ، وقالَ بعضُهم: بَدَنَةٌ، ولكنْ كأنَّ هذا أيضاً تَمثيلٌ، أي: مثالٌ لِمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهدْيِ.
ثم نَقَلَ عن شُعبةَ بنِ الحجاجِ رَحِمَه اللهُ وغيرِه: أنهم قالوا: أقوالُ التابعينَ في الفروعِ ليست حُجَّةً، فكيف تكونُ حُجَّةً في التفسيرِ؟! الفروعُ يعني: فروعَ المسائلِ, يعني: الأحكامَ كالصلاةِ والحجِّ والبيعِ والربا والنكاحِ، ونحوِ ذلك، ولعلَّ ذلك خاصٌّ بما إذا حَصَلَ بينَهم اختلافٌ في تلك الأقوالِ, فلا تكونُ حُجَّةً؛ وذلك أنَّ اختلافَهم دليلٌ على أنَّ هذه المسألةَ اجتهاديَّةٌ، يَحْصُلُ بينَهم اختلافٌ كثيرٌ في وُجوهِ الإعرابِ، ويَحْصُلُ بينَهم أيضاً اختلافٌ في كثيرٍ مِن الأحكامِ التي تَحتاجُ إلى فَتْوَى، يقولُ شُعبةُ: ليستْ دليلاً قَطْعِيًّا إذا كانت اجتهاديَّةً، فإذا كانت في الفروعِ اجتهاديَّةً؛ فكذلك في التفسيرِ، يعني: أنها لا تكونُ حُجَّةً على غيرِهم ممن خَالَفَهم، وهذا صحيحٌ، يعني: لا تُقَدَّمُ على غيرِهم إذا خالَفَهم، ولو أنَّ الذي خالَفَهم ممَّن بَعْدَهم، إذا عُرِفَ بأنها اجتهاديَّةٌ