تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه الآثارُ الصحيحةُ وما شَاكَلَها عن أئمَّةِ السلَفِ محمولةٌ على تحرُّجِهم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا عِلْمَ لهم به، فأما مَن تَكَلَّمَ بما يَعْلَمُ مِن ذلك لغةً وشَرْعاً فلا حَرَجَ عليه، ولهذا رُوِيَ عن هؤلاءِ وغيرِهم أقوالٌ في التفسيرِ، ولا مُنافاةَ؛ لأنهم تَكَلَّمُوا فيما عَلِمُوه وسَكَتُوا عما جَهِلُوه، وهذا هو الواجبُ على كلِّ أَحَدٍ؛ فإنه كما يَجِبُ السكوتُ عما لا عِلْمَ له به فكذلك يَجِبُ القولُ فيما سُئِلَ عنه مما يَعْلَمُه؛ لقولِه تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، ولِمَا جاءَ في الحديثِ المرويِّ مِن طُرُقٍ: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ)).

وقالَ ابنُ جريرٍ: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ, قالَ: حدثنا مُؤَمَّلٌ, قالَ: حَدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ, قالَ: قالَ ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنه: التفسيرُ على أربعةِ أَوْجُهٍ: وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهَالَتِه، وتفسيرٌ يَعلمُه العلماءُ, وتفسيرٌ لا يَعلمُه إلا اللهُ، واللهُ سُبحانَه وتعالى أَعْلَمُ).

الشرْحُ:

تَقَدَّمَ أنَّ التفسيرَ أَفْضَلُه تفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ؛ وذلك لأن ما أُجْمِلَ في مَوْضِعٍ يُبْسَطُ في مَواضِعَ أُخْرَى.

ثانياً: تفسيرُ القرآنِ بالسنَّةِ؛ لأن النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ هو الْمُبَيِّنُ لِمَا أُنْزِلَ إليه.

ثالثاً: تفسيرُ القرآنِ بأقوالِ الصحابةِ؛ لأنهم الذين شاهَدُوا التنزيلَ، ونَزَلَ القرآنُ بلُغَتِهم، فعَرَفُوا أسبابَه وعَرَفوا معانيَهُ، وتَلَقَّوا بيانَه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وتَعَلَّمُوا ألفاظَه ومعانيَهُ والعملَ به جميعاً.

فإذا لم تَجِدْ تفسيرَ القرآنِ في القرآنِ، ولا في السنَّةِ، ولا في أقوالِ الصحابةِ، فقد رَجَعَ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ في ذلك إلى أقوالِ التابعينَ؛ وذلك لأنهم تلامذةُ الصحابةِ، تَعَلَّمُوا عليهم، والصحابةُ بَلَّغوا ما تَعَلَّمُوه، فهم تَعَلَّمُوا مِن النبيِّ صَلَّىَ اللهُ عليه وسَلَّمَ، وتلامذتُهم مِن التابعينَ تَعَلَّمُوا منهم، فيكونُ تفسيرُ التابعينَ أَقْرَبَ ممن بَعْدَهم، مِمَّن تَخرَّصَ في القرآنِ وفَسَّرَه بغيرِ دليلٍ.

ذَكَرَ مِن جُملتِهم: مجاهدَ بنَ جبرٍ، مولًى مِن الموالي، ولكنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ عليه وأَلْهَمَه، وكان ذا مَعرِفةٍ وَفَهْمٍ، فتَعَلَّمَ التفسيرَ مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، ذُكِرَ أنه آيةٌ في التفسيرِ، يعني: في عِلْمِ القرآنِ وفي عِلْمِ التفسيرِ.

ذُكِرَ عن محمدِ بنِ إسحاقَ المطَّلِبِيِّ صاحبِ السيرةِ أنه قالَ: حدثنا أبانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ قالَ: عَرَضْتُ المصحَفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، مِن فاتحتِه إلى خاتِمَتِه - يعني: مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه - أُوقِفُه عندَ كلِّ آيةٍ منه، وأسألُه عنها. ولا شَكَّ أنه إذا سألَه فإنه يُفَسِّرُ له كلَّ آيةٍ أَشْكَلَتْ عليه، وقد تَقَدَّمَ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما مِمَّنْ فَتَحَ اللهُ تعالى عليه، وأجابَ اللهُ دَعوةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لَمَّا دَعَا له بقولِه: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)).

ثم رَوَى شيخُ الإسلامِ عن التِّرمذيِّ, قالَ: حَدَّثَنا الحسينُ بنُ مَهْدِيِّ بنِ البصريِّ، حَدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، هذا أيضاً انتهى إلى قتادةَ. قتادةُ بنُ دعامةَ كان ضريرَ البصَرِ، ولكنه كان آيةً في الحفْظِ، كان ذَكِيًّا فَطِناً بحيثُ إنه يَحْفَظُ ما سَمِعَه، يكون حِفْظُه أشَدَّ وأقوى مِن حِفْظِ المُبْصِرِينَ الذي يَقْرَؤونَ مِراراً، فهو يقولُ: ما في القرآنِ آيةٌ إلا وقد سَمِعْتُ فيها شيئاً، يعني: كلَّ القرآنِ، إلا وقد سَمِعْتُ فيها شيئاً، يعني: حَديثاً أو أَثَراً أو تفسيرًا ممن سَمِعَه مِن الصحابةِ؛ لأنه تلميذٌ للصحابةِ،

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٧٤