ذَكَرَ العلماءُ أنَّ مِن أشهَرِ كتبِهم؛ كتُبِ اليهودِ: التلمودَ والمنشا، ولا تَزالُ موجودةً عندَهم، وأن هذا التلمودَ كان في أوَّلِ الأمرِ صغيراً، ثم صارَ كلٌّ منهم كُلَّما تَوَلَّى زادَ فيه وأضافَ إليه، حتى يقولَ ابنُ القيِّمِ في (هِدايةِ الْحَيَارَى): إنه وَصَلَ إلى حِمْلِ بعيرٍ بعدَما كان صغيراً. والكتابُ الثاني اسمُه المنشا، يقولُ أيضًا: إنهم كانوا يَزيدونَ فيه، وَصَلَ في عَهْدِ ابنِ القَيِّمِ إلى ثمانِمائةِ ورقةٍ، يعني: أَلْفٍ وستِّمائةِ صفحةٍ، وأما الكُتُبُ التي يَنْقُلُ منها كَعْبُ الأحبارِ فإنها كُتُبٌ لا شَكَّ دَخَلَ فيها كثيرٌ مِن التحريفِ، فصاروا يُصَدِّقُون بها، ويَثِقُون بها. ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ أَثَراً عن كعبٍ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، قالَ كعبٌ: إنَّ هذا ليس في كُتُبِ اللهِ الْمُنَزَّلَةِ مِن السماءِ؛ فإنَّ اللهَ صانَها عن ذلك، وإنما هذا فيما كَتَبُوهُ مِن قِبَلِ أنفُسِهم، وفصَّلَ في ذلك ابنُ كثيرٍ، وأما المعلِّقُ عليه فإنه أَنْكَرَ ذلك، وقالَ: إنه قولٌ باطلٌ، وكذلك عندَ قولِ اللهِ تعالى في سورةِ البقرةِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقولُ: ولكن هذه الأحاديثَ الإسرائيليَّةَ تُذْكَرُ للاستشهادِ لا للاعتقادِ، اشتَهَرَتْ تسميتُها بالإسرائيليَّاتِ، وأنها لا تُعْتَمَدُ ولا تُصَدَّقُ. وَرَدَ في الحديثِ أنه قالَ: ((إِذَا حَدَّثَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ))، يعني: إما أن يكونَ الذي قالوه حقًّا فتكونوا قد كَذَّبْتُم بالحَقِّ، وإما أن يكونَ غيرَ حَقٍّ - يعني: باطلاً - فتكونوا مُصَدِّقِينَ للباطلِ: ((وَلَكِنْ قُولُوا: آمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ))، يعني: امتثالاً لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾.
ثم ذَكَرَ أنَّ الإسرائيليَّاتِ على ثلاثةِ أقسامٍ، ذَكَرَ هذه الأقسامَ، وقد ذَكَرَها أيضاً ابنُ كثيرٍ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾، فإنَّ هذه الآيةَ ذُكِرَ فيها قِصَصٌ غريبةٌ مَنقولةٌ عن كُتُبِ بني إسرائيلَ، فيقولُ ابنُ كثيرٍ - ولعله نَقَلَه مِن رسالةِ شيخِه ابنِ تيميةَ؛ فإنه شيخٌ له ـ: إنها على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: ما عَلِمْنَا صِحَّتَه مما بأيدِينا مما يَشْهَدُ له بالصدْقِ، يعني: جاءَ تصديقُه في القرآنِ أو تصديقُه في السنَّةِ، يعني: شَهِدَ له القرآنُ أو شَهِدَتْ له السنَّةُ، فهذا نُصَدِّقُه، ومع ذلك يكونُ الاعتمادُ على الكتابِ والسنَّةِ، ويكونُ قَبولُه كترجيحٍ وتأنيسٍ، وقد يكونُ فيه شيءٌ مِن التفاصيلِ، فأمَّا التفاصيلُ التي يَذكرونَها تفصيلاً لبعضِ الْمُجْمَلِ، فالغالبُ أنها مِن الحكاياتِ التي لا أَصْلَ لها، أو أنها مِن التاريخِ الذي دَخَلَه التغيُّرُ، وقد نَقَلَ كثيراً منه ابنُ جريرٍ عندَ تفسيرِ قولِ اللهِ تعالى في سورةِ الإسراءِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ ِفي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، فإنهم نَقَلُوا عنها حكاياتٍ كثيرةً في قِصَصِ بني إسرائيلَ في الإفسادِ الأولِ والثاني: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾.
يقولُ: القِسمُ الثاني: ما عَلِمْنَا كَذِبَه بما عِنْدَنا مما يُخالِفُه. يعني: تَحَقَّقْنا أنه كَذِبٌ، وتَحَقَّقْنا أنه لا أَصْلَ له، دَلَّتْ أُصولُنا ودَلَّتْ أحاديثُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على أنه كَذِبٌ، مثلَما يَذكرونَ في قصةِ عُوجَ بنِ عُنُقَ، وأنَّ طولَه ثلاثةُ آلافِ ذراعٍ, وثلاثُمائةٍ وثلاثٌ وثلاثونَ ذراعاً، وثلُثُ ذراعٍ، وأنَّ موسى طولُه عشرةُ أَذْرُعٍ، وطولُ عصاه عَشْرَةُ أذرُعٍ، وأنه قَفَزَ عشرةَ أذرُعٍ ليَضْرِبَ عوج، ولم تَصِل الضربةُ إلا إلى كَعْبِه، كلُّ هذا لا أَصْلَ له، كيف عَرَفْنا كَذِبَه؟ مِن الحديثِ النبويِّ حيث قالَ: ((إِنَّ آدَمَ