تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما صحابِيٌّ جليلٌ، ومِن العربِ الفُصَحَاءِ، ثمَّ لهُ مَيْزَةٌ؛ وهوَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ دعا لهُ بالأثَرِ المشهورِ قالَ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ بِالدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ))، فكانَ آيَةً في القرآنِ. ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ في أوَّلِ تفسيرِهِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ فَسَّرَ مَرَّةً سورةَ النورِ تَفسيراً بَليغاً لوْ سَمِعَهُ الفُرْسُ والرومُ والتُّرْكُ لأَسْلَمُوا، يعني: مِنْ بَلاغَتِهِ وَقُوَّتِهِ. ولهذا قالَ الثوريُّ -الثوريُّ: سفيانُ بنُ سعيدِ بنِ مَسْرُوقٍ العالِمُ المشهورُ، كانَ لهُ مَذهبٌ ولكنْ أَهْمَلَهُ أصحابُهُ، لمْ يُدَوِّنُوهُ - يقولُ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عنْ مُجَاهِدٍ، يعني: مُجَاهِدِ بنِ جَبْرٍ تِلميذِ ابنِ عبَّاسٍ، إذا جَاءَكَ التفسيرُ عنْ مُجاهدٍ فحَسْبُكَ بهِ. ولهذا يَعتمِدُ الشافعيُّ والبخاريُّ وغيرُهما مِنْ أهلِ العلْمِ على التفسيرِ المنقولِ عنْ مُجاهدٍ، يَعتمِدُ على تفسيرِهِ الشافعيُّ؛ الإمامُ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. والبخاريُّ أيضاً في كتابِهِ الصحيحِ يَذْكُرُ كثيراً مِن الآثارِ، وأكثرَ ما+ يَنْقُلُ عنْ مُجاهِدٍ, وغيرُهُ مِن التابعينَ يَعْتَمِدُونَ على تفسيرِهِ، وغيرُهما مِنْ أهلِ العلْمِ، وكذلكَ الإمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ وغيرُهُما مِمَّنْ صَنَّفَ في التفسيرِ، يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عنْ مجاهِدٍ أكثرَ مِنْ غيرِهِ، وكذلكَ ابنُ جريرٍ. الإمامُ أحمدُ ذَكَرُوا أنَّ لهُ تفسيراً، وأنَّ فيهِ مائةً وعشرينَ ألْفَ أَثَرٍ أوْ حديثٍ، ولمْ يَتَيَسَّر العثورُ عليهِ.

فالمقصودُ أنَّ التابعينَ رَحِمَهم اللَّهُ تَلَقَّوا التفسيرَ عن الصحابةِ، كما تَلَقَّوْا عنهم عِلْمَ السُّنَّةِ، وإنْ كانُوا قدْ يَتكلَّمُونَ في بعضِ ذلكَ بالاستنباطِ والاستدلالِ، تَلَقَّوا التفسيرَ، وتَلَقَّوا الحديثَ عن الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، لكنْ قدْ لا يُوجَدُ أَثَرٌ عن الصحابةِ، فالتَّابِعُونَ بما أعطاهم اللَّهُ تعالى مِنْ فَهْمِ القرآنِ قدْ يَتَكَلَّمُونَ في بعضِ الآياتِ بالاستنباطِ والاستدلالِ، يَستنبِطُ أحدُهم مِنْ هذهِ الآيَةِ كذا أوْ يُفَسِّرُها بمعنًى يَفْهَمُهُ، كما يَتكلَّمُونَ في بعضِ السُّنَنِ بالاستنباطِ والاستدلالِ، يعني: الوقائعُ التي تَقَعُ لهم كثيراً ما يَتَوَقَّفُونَ فيها، وكثيرٌ منهم يَحتاجُ إلى أنْ يُفْتِيَ فيها برَأْيِهِ أوْ بما ظَهَرَ لهُ مِنْ عُموماتِ الأدِلَّةِ إذا لمْ يَجِدْ نَصًّا، فيَستنبِطُ الدلالةَ مِنْ حديثٍ أوْ مِنْ آيَةٍ، وإنْ لمْ يَجِدْ ذلكَ مَرفوعاً، وكذلكَ أيضاً الآياتُ يَستنبِطُ منها فَوائدَ وأحكاماً وما أَشْبَهَ ذلكَ، يعني: ليسَ كلُّ ما نُقِلَ عن التابعينَ يكونُ مَرْوِيًّا عن الصحابةِ، بلْ قدْ يُرْوَى عن التابعينَ تفاسيرُ فَسَّرُوها بالاستنباطِ وبِالْفَهْمِ، وكذلكَ ليسَ كلُّ ما رُوِيَ عن التابعينَ مِن الأحكامِ ومِن المسائلِ التي أَفْتَوْا بها يَعتمدونَ فيها على النقْلِ، بلْ قدْ لا يَجِدُونَ في الآياتِ دَليلاً ولا في الأحاديثِ، فيَحتاجونَ إلى الاستنباطِ والاستدلالِ.

ومَنْ أَنْكَرَ دَلالةَ أسمائِهِ على صفاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظاهرَ، فقولُهُ مِنْ جِنْسِ قولِ غُلاةِ الباطنيَّةِ القَرَامِطَةِ الذينَ يَقولونَ: لا يُقالُ: هوَ حَيٌّ ولا ليسَ بِحَيٍّ، بلْ يَنْفُونَ عنهُ النقيضيْنِ؛ فإنَّ أولئكَ القرامطةَ الباطنيَّةَ لا يُنكرونَ اسماً هوَ عَلَمٌ مَحْضٌ كالْمُضْمَرَاتِ، وإنما يُنكرونَ ما في أسمائِهِ الْحُسْنَى مِنْ صفاتِ الإثباتِ، فمَنْ وافَقَهم على مَقصودِهم كانَ معَ دَعواهُ الغلُوَّ في الظاهرِ مُوافِقاً لغُلاةِ الباطنيَّةِ في ذلكَ، وليسَ هذا مَوضعَ بَسْطِ ذلكَ، وإنَّما المقصودُ أنَّ كلَّ اسمٍ مِنْ أسمائِهِ يَدُلُّ على ذاتِهِ، وعلى ما في الاسمِ الآخَرِ مِنْ صِفاتِهِ، ويَدُلُّ أيضاً على الصفةِ التي في الاسمِ الآخَرِ بطريقِ اللُّزُومِ.

وكذلكَ أسماءُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مِثلُ: مُحَمَّدٍ وأحمدَ والماحِي والحاشرِ والعاقبِ، وكذلكَ أسماءُ القرآنِ مِثلُ: القرآنِ والفُرقانِ والْهُدَى والشفاءِ والبيانِ والكِتابِ، وأمثالِ ذلكَ. فإذا كانَ مقصودُ السائلِ تَعيينَ الْمُسَمَّى عَبَّرْنَا عنهُ بأيِّ اسمٍ كانَ، فإذا عُرِفَ مُسَمَّى هذا الاسمِ، وقدْ يكونُ الاسمُ عَلَماً، وقدْ يكونُ صفةً؛ كمَنْ يَسألُ عنْ قولِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ ما ذِكْرُهُ؟ فيُقالُ لهُ: هوَ القرآنُ مَثَلاً، أوْ ما أَنزَلَهُ مِن الكُتُبِ؛ فإنَّ الذِّكْرَ مَصدرٌ، والمصدَرُ تَارةً يُضافُ إلى الفاعلِ، وتارةً إلى المفعولِ.

فإذا قيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ بالمعنى الثاني كانَ ما يُذْكَرُ بهِ، مثلُ قولِ العبدِ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ)، وإذا قيلَ بالمعنى الأوَّلِ كانَ ما يَذْكُرُهُ هوَ كلامَهُ، وهذا هوَ المرادُ في قولِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ لأنَّهُ قالَ قبلَ ذلكَ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، وهُداهُ هوَ ما أَنْزَلَهُ مِن الذكْرِ، وقالَ بعدَ ذلكَ: ﴿قَالَ رَبِّي لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾.

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٧