تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقولُ بعدَ ذلك: فإنْ أَعياكَ ذلك فعَليكَ بالسُّنَّةِ؛ فإنها شارحةٌ للقرآنِ ومُوَضِّحَةٌ له. يقولُ شيخُ الإسلامِ في العقيدةِ الواسطيَّةِ, لَمَّا ذَكَرَ الآياتِ في الصفاتِ: فصلٌ في السُّنَّةِ، ثم قال:" فالسنَّةُ تُفَسِّرُ القرآنَ وتُبَيِّنُه وتَدُلُّ عليه، وتُعَبِّرُ عنه". والمرادُ أحاديثُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ؛ فإنه أَنْزَلَ اللهُ تعالى عليه القرآنَ وأَمَرَه أن يُبَيِّنَهُ، بل اللهُ تعالى بَيَّنَه له في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّا عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، فاللهُ تعالى يُبَيِّنُه لنَبِيِّهِ، إمَّا بالبيانِ الواضحِ بأن يُشْرَحَ له، وإما بأنْ يُفْهِمَه مَعانيَهُ حتى يَعْرِفَ دلالاتِه، وحتى يُعْلِنَ مُحتوياتِه، ثم هو بعدَ ذلك يُبَيِّنُهُ لأصحابِه، سواءٌ بالقولِ أو بالفعلِ.

لما أَخْبَرَهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ عن القَدَرِ، وأنه: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ)) قالوا: أفلا نَتَّكِلُ على كِتابِنا ونَدَعَ العملَ؟ قالَ: ((اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ))، ثم قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآياتِ، فبَيَّنَ أنَّ هذا معنى التيسيرِ، يعني: أنَّ قولَه: ﴿سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ يعني: نُوَفِّقُه لأنْ يَعْمَلَ العملَ الصالحَ الذي يكونُ به مِن أهلِ اليُسْرَى، والآخَرُ نَخْذُلُه ونَكِلُه إلى نفْسِه، فيكونُ ذلك مِن التيسيرِ للعُسْرَى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فهذا تفسيرٌ مِن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، والأمثلةُ كثيرةٌ.

فإذا جاءتِ الآياتُ التي في الصفاتِ وَجَدْنَا مِثْلَها أيضاً في القرآنِ، ووَجَدْنَا مِثْلَها أيضاً في السنَّةِ، فمَثلاً قولُه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ في مَوضعينِ في سورةِ الْمُلْكِ، فُسِّرَ ذلك بآياتٍ أُخْرَى، مِثلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جُذوعِ النخْلِ، وقولِه: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرضِ، فيكونُ معنى ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي: على السماءِ، وفُسِّرَ أيضاً - أو بُيِّنَ - مثلُه في السنَّةِ، مثلُ قولِه: ((أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحاً وَمَسَاءً)).

ومَثلاً جاءَ في القرآنِ ذِكْرُ اليدِ للهِ تعالى في قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وفي قولِه تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، وجاءَ ذِكْرُ اليمينِ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ففُسِّرَت اليدُ بأنها اليمينُ، وجاءَتْ أيضاً في السنَّةِ في قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((يَمِينُ اللهِ مَلْأَى))، وفي قولِه: ((الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ)) ... إلى آخِرِه، فجاءَ في السنَّةِ مِثْلَمَا جاءَ في القرآنِ.

فعُرِفَ بذلك أنَّ أفْضَلَ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ: الأحاديثُ النبويَّةُ؛ فإنها تُفَسِّرُ القرآنَ وتُبَيِّنُه وتُوَضِّحُهُ، ومَن أرادَ الأمثلةَ فإنه يَجِدُها في تفسيرِ ابنِ كثيرٍ كثيرةً.

يَقُولُ: بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مما فَهِمَه مِن القرآنِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى عَلَّمَه بَيانَهُ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّا عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، فكلُّ ما حَكَمَ به فإنه مِمَّا أَلْهَمَه اللهُ تعالى، وأَوْحَاهُ إليه، وقَذَفَ به في قلبِه، وعَلَّمَه إيَّاهُ، أو فَهِمَه مِن كلامِ اللهِ.

ذَكَرَ بعدَ ذلك هذه الآياتِ للاستدلالِ بها على أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ مُكَلَّفٌ أن يُبَيِّنَ للناسِ القرآنَ؛ فالآيةُ الأُولَى في سورةِ النساءِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾، لم يَقُلْ: بما رَأيتَ، دَلَّ على أنَّ اللهَ تعالى يُرِيهِ ويُعَلِّمُه، ﴿بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ أي: بما عَلَّمَكَ اللهُ وأَلْهَمَكَ، ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تُخَاصِمْ عنهم، فالحكْمُ بينَ الناسِ

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٦٥