فيقالُ: هذا الحديثُ فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ، ظاهرةٌ، أو خَفِيَّةٌ وتَتَجَلَّى لغيرِه؛ قادحةٌ فيه، ومِن ذلك: ذَكَروا أنَّ مُسلماً رَحِمَه اللهُ جاءَ إلى البخاريِّ وسَأَلَه عن حديثِ كَفارةِ الْمَجْلِسِ، فقالَ البخاريُّ: إنَّ فيه عِلَّةً خَفِيَّةً، وظاهرُه الصِّحَّةُ، ثم ذَكَرَ أنَّ فُلاناً رَواهُ ووَقَفَهُ، وأنَّ الموقوفَ أَشْهَرُ.
يقولُ: يُعرَفُ بسببٍ ظاهرٍ، كما عَرَفوا أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو حَلالٌ؛ وذلك لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ ـ مع أنَّ ميمونةَ خالتُه ـ ثَبَتَ في الصحيحينِ أنه قالَ: تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ، هكذا قالوا، واستَدَلَّ بهذا الحنفيَّةُ على أنَّ المحْرِمَ يَجوزُ أن يَتزوَّجَ، وأن يَنْكِحَ ويَعْقِدَ، وخالَفَهم الجمهورُ، وصَحَّحُوا أنَّ هذا الحديثَ غَلَطٌ؛ فإنَّ ابنَ الْمُسَيِّبِ يقولُ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ؛ وإنْ كانت خالتَه. وثَبَتَ في صحيحِ مُسلمٍ، عن مَيمونةَ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ تَزَوَّجَها وهو حلالٌ، وبَنَى بها وهو حلالٌ، وماتتْ في سابغَ+؛ وكذلك ثَبَتَ أيضاً في حديثِ أبي رافعٍ مَوْلَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، يقولُ: وكنتُ الواسطةَ بينَهما، ذَكَرَ أنه ما عَقَدَ عليها إلا بعدَما تَحَلَّلَ؛ وذلك لأنه قَدِمَ مكةَ في سنةِ سبعٍ مُحْرِماً، فطافَ وسَعَى، ثم بعدَ ذلك تَحَلَّلَ ونَحَرَ هَدْيَهُ، ثم خَطَبَ مَيمونةَ، وعُقِدَ له عليها بعدَما تَحَلَّلَ، وابنُ عبَّاسٍ في ذلك الوقتِ صغيرٌ، يُمْكِنُ أن عُمْرَه عشرُ سنينَ؛ لأنه وُلِدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، فعُمْرُه عشرُ سنينَ، يُمْكِنُ أنه رأى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إنْ كانَ قد اعْتَمَرَ معه؛ لأنه لم يكنْ قد هاجَرَ، يُمْكِنُ أنه رآه وعليه لِباسُ الإحرامِ؛ لأنَّ لِباسَ الإحرامِ في ذلك الوقتِ كان مُعتاداً، يعني: لِباسُ الإزارِ والرداءِ مُعتادٌ، يَلْبَسُه الْمُحْرِمُ وغيرُ الْمُحْرِمِ، ويُمْكِنُ أيضاً أنه لَمَّا رأى الْهَدْيَ لم يُنْحَرْ ظَنَّ أنه لا يَزالُ مُحْرِماً، فلذلك قالَ ابنُ الْمُسَيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عَبَّاسٍ.
يقولُ: نَعتقِدُ أيضاً: أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ صَلَّى بالبيتِ ركعتينِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه لم يُصَلِّ، وهذا أيضاً مِن غَلَطِه؛ وذلك لأنه دَخَلَ معه بلالٌ وأسامةُ وعثمانُ بنُ طلحةَ، وجاءَ ابنُ عمرَ فسألَ بلالاً: أين صَلَّى؟ فذَكَرَ أنه صَلَّى بينَ العمودينِ، فثَبَتَ أنه صَلَّى، فابنُ عباسٍ غَلِطَ في ذلك، وكذلك نَتَحَقَّقُ أنه اعتمَرَ أربعَ عُمَرٍ: عمرةَ الحديبِيَةِ وإن لم يُتِمَّهَا، وعمرةَ القضاءِ، وعُمرةَ الْجِعرانةِ، وعُمرةً مع حَجَّتِه، وأنَّ قولَ ابنِ عمرَ: اعْتَمَرَ في رَجَبٍ وَقَعَ فيه غَلَطٌ، أَنْكَرَتْهُ عليه عائشةُ وهو يَسمعُ، وسَكَتَ ولم يَقُلْ شيئاً. وعَلِموا أيضاً أنه تَمَتَّعَ وهو آمِنٌ في حَجَّةِ الوداعِ؛ وذلك أنَّ المتمَتِّعَ يَدْخُلُ فيه القارنُ والمعتَمِرُ، وهو قارنٌ، والقارنُ يُسَمَّى مُتَمَتِّعاً، وكذلك أَمَرَ الصحابةَ أن يَتَمَتَّعُوا.
قولُ عثمانَ لعليٍّ: كنا يومئذٍ خائفينَ، غَلَطٌ، غَلَطٌ مِن بعضِ الرواةِ، ليس هناك خَوفٌ، وهي في حَجَّةِ الوداعِ. وما وَقَعَ في بعضِ طُرُقِ البخاريِّ: أنَّ النارَ تَمتلئُ حتى يُنْشِئَ اللهُ لها خَلْقاً؛ هذا أيضاً غَلَطٌ؛ فإنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ قَوماً بغيرِ ذنْبٍ. هذه أَمثلةٌ للغلَطِ الذي يَقعُ فيه بعضُ الرواةِ. ذَكَرَ ذلك استطراداً.
يقولُ: والناسُ في هذا البابِ طَرفانِ: طَرَفٌ مِن أهلِ الكلامِ ونحوِهم؛ مِمَّنْ هو بَعيدٌ عن مَعرفةِ الحديثِ وأهلِه، لا يُمَيِّزُونَ بينَ الصحيحِ والضعيفِ؛ فيَشُكُّونَ في صِحَّةِ الأحاديثِ الصحيحةِ، أو في القَطْعِ بها؛ مع كونِها مَعلومةً مَقطوعاً بها عندَ أهلِ العلْمِ؛ وذلك لعدَمِ صِناعتِهم بالحديثِ، ومعرفتِهم بطُرُقِهِ، وإنما يَقيسونَ الأحاديثَ بآرائِهم، فما يُوافِقْ آراءَهم يَجْزِمُوا بأنه صحيحٌ؛ ولو كان ضعيفاً، وما لا يُوافِقْها يَجْزِموا بأنه غَلَطٌ أو ضعيفٌ؛ ولو كان صحيحاً، فليسوا مِن أهلِ الأحاديثِ. تَجِدُونَ هذا كثيراً في كُتُبِ المتكلِّمينَ، قد يَجزمونَ بالحديثِ أنه صحيحٌ مع كونِه ضَعيفاً، وبالعكْسِ يُضَعِّفُونَ الحديثَ الذي لا يُوافِقُ آراءَهم؛ مع كونِه صحيحاً. ولكلٍّ صَنعةٌ؛ فالمحدِّثونَ صَنعتُهم الحديثُ، يُعْرَفُون به، وهؤلاءِ المتكلِّمونَ صَنعتُهم العقولُ؛ ما يُوافِقُ عقولَهم يَقْبَلُونَه.
يقولُ: "وطَرَفٌ ممَّن يَدَّعِي اتِّباعَ الحديثِ والعملَ به، كُلَّمَا وَجَدَ لفظاً في حديثٍ قد رواه ثِقةٌ، أو رأى حديثاً بإسنادٍ ظاهرُه الصحَّةُ؛ يريدُ أنْ يَجعلَ ذلك مِن جِنْسِ ما جَزَمَ أهلُ العلْمِ بصِحَّتِه، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ؛ أَخَذَ يَتكلَّفُ له