أنتَ إذا صَحِبْتَ إنساناً، وعَرَفْتَ تُقاهُ ووَرَعَهُ، وعَرَفْتَ ثِقَتَهُ وعَدَالَتَهُ وأمانتَهُ، وطُلِبَ منكَ أنْ تُزَكِّيَهُ عندَ القاضي، فإنَّكَ تُزَكِّيهِ بطُولِ المعرفةِ، فتقولُ: خَبَرْتُهُ وصَحِبْتُهُ وجاوَرْتُهُ وعامَلْتُهُ عِدَّةَ سِنينَ، فأُزَكِّيهِ؛ لأنِّي لا أَعلَمُ عليهِ إلاَّ خَيْراً، فتَشهَدُ بأنَّهُ ليسَ ممَّنْ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ، ولا ممَّنْ يَشْهَدُ بالزورِ، ولا ممَّنْ يَسْرِقُ أموالَ الناسِ، فهذا بالنسبةِ إلى خِبْرَتِكَ وتَجرِبَتِكَ، فكذلكَ نقولُ: إنَّنا إذا تَحَقَّقْنَا أنَّ هؤلاءِ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم أهلُ عِلْمٍ وأهلُ وَرَعٍ وأهلُ دِيانةٍ وأمانةٍ، تَحَقَّقْنَا أنَّ أَحَداً منهم لا يَتعمَّدُ الكذِبَ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وكذلكَ أيضاً علماءُ التابعينَ، سواءٌ بمَكَّةَ أو المدينةِ أو الشامِ أو البصرةِ في هذهِ البلادِ كلِّها، كَثِيرٌ مِن التابعينَ الذينَ اهْتَمُّوا بالحديثِ، فمَنْ عَرَفَ مثلَ أبي صالحٍ السَّمَّانِ، تلميذِ أبي هُريرةَ، واسمُهُ ذَكْوَانُ، ويُقالُ لهُ أيضاً: زَيَّاتٌ، دائماً يقولونَ: عنْ أبي صالحٍ، عنْ أبي هُريرةَ، وكذلكَ تلميذُهُ الآخَرُ، الذي هوَ: الأعْرَجُ، واسمُهُ: عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزٍ، دائماً يُقَالُ: عن الأعرجِ، عنْ أبي هُريرةَ، وكذلكَ تلميذُهُ سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ، وهوَ أحَدُ الفقهاءِ السَّبْعَةِ.
الفقهاءُ السبعةُ -يعني: فُقهاءُ المَدِينةِ السَّبْعَةُ- نَظَمَهم الناظِمُ بقولِهِ:
إذا قيلَ مَنْ في العلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ رِوَاياتُهم لَيْسَتْ عن العلْمِ خارِجَهْ
فقُلْ هُمْ: عُبَيْدُ اللَّهِ، عُروةُ، قاسِمٌ سعيدٌ، أبو بكرٍ، سُليمانُ، خارِجَهْ
فسليمانُ هذا مِن الفقهاءِ السبعةِ، وزيدُ بنُ أَسلمَ، وهوَ تلميذٌ للصحابةِ، وأبوهُ أَسْلَمُ مَوْلًى لعمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، وأمثالُهم، عَلِمَ قَطْعاً أنَّهُم لمْ يكُونُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الكذِبَ في الحديثِ؛ وذلكَ لفَضْلِهم، فَضْلاً عمَّنْ هوَ أَفضلُ منهم، كمُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، والقاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ. مُحَمَّدُ بنِ سِيرِينَ: سيرينُ مَوْلًى لأَنَسٍ، أَعْتَقَهُ، ثمَّ كانَ لهُ أولادٌ كلُّهم عُلماءُ، أوْ أكثرُهم، حتَّى أُخْتُهُم حفصةُ بنتُ سِيرينَ مِنْ رواةِ الحديثِ، ولكنَّ أشهرَهم مُحَمَّدٌ، ثمَّ أنسُ بنُ سِيرِينَ.
القاسمُ بنُ مُحَمَّدٍ، هوَ أَحَدُ الفقهاءِ السبعةِ أيضاً، الذينَ ذَكَرَهم الناظمُ، وجَدُّهُ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعَمَّتُهُ عائشةُ، كذلكَ سعيدُ بنُ المسيِّبِ، هوَ مِن الفقهاءِ السبعةِ، عَبيدةُ السلمانيُّ مِنْ تلاميذِ ابنِ مسعودٍ، عَلقمةُ، والأسودُ، هؤلاءِ مِنْ تلاميذِ ابنِ مسعودٍ. الأسودُ النَّخَعِيُّ ونحوُهُ اشْتُهِرَ بالروايَةِ عن ابنِ مسعودٍ، هؤلاءِ عُلماءُ وحُفاظٌ، نُنَزِّهُهُم أنْ يَتَعَمَّدَ أحدٌ منهم الكَذِبَ، لكنْ يُخافُ على الواحدِ مِن الغلَطِ والنسيانِ.
الإنسانُ ما سُمِّيَ بالإنسانِ إلاَّ لِنَسْيِهِ، ولا القلبُ إلاَّ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ. الغَلَطُ والنسيانُ كثيراً ما يَعْرِضُ للإنسانِ. يقولُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي))، يعني: في الصلاةِ.
مِن الْحُفَّاظِ مَنْ قدْ عَرَفَ الناسُ بُعْدَهُ عنْ ذلكَ جِدًّا، يعني: بُعْدَهُ عن الغلَطِ، كما عَرَفُوا حالَ الشَّعبيِّ. الشَّعْبِيُّ: عامرُ بنُ شُرَحْبِيلٍ؛ ذَكَرُوا عنهُ أنَّهُ يقولُ: ما كَتَبْتُ سَوْدَاءَ في بيضاءَ فنَسِيتُهُ، يعني: لِمَا أُعْطِيَهُ مِن الحفْظِ. أمَّا الزُّهريُّ فإنَّهُ كَتَبَ الأحاديثَ، كانَ الذي أشارَ عليهِ بكِتَابَتِها الوليدُ بنُ عبدِ الْمَلِكِ، ثمَّ لَمَّا كتَبَها حَفِظَها، فكانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ كثيراً، وكانَ غيرُهُ مِن المُحَدِّثينَ يَأتونَ إليهِ فيَنقُلونَ عنهُ الأحاديثَ، نَفَعَ اللَّهُ تعالى بهِ. عُروةُ بنُ الزبيرِ مِن الفقهاءِ السبعةِ، روى عنْ عائشةَ كثيراً، وَحَفِظَ عنها وعنْ غيرِها. قتادةُ بنُ دعامةَ مِنْ حُفَّاظِ التابعينَ، وكان أَعْمَى، ولكنْ عندَهُ مِن الذكاءِ والحفْظِ ما لا يُوجَدُ عندَ الْمُبْصِرِينَ.
الثوريُّ: سفيانُ بنُ سعيدِ بنِ مسروقٍ، عالمُ العراقِ، مِن الْحُفَّاظِ أيضاً، وأمثالُهم، لا سيَّما الزهريُّ في زمانِهِ، تُوُفِّيَ سنةَ مائةٍ وسِتٍّ وعشرينَ، والثوريُّ في زَمانِهِ، تُوُفِّيَ سنةَ مائةٍ وإحدى وسِتِّينَ، ممَّا يَدُلُّ على أنَّهُم في زمانِهم صارُوا مَرْجِعاً. فإنَّهُ قدْ يقولُ القائلُ: إنَّ ابنَ شهابٍ الزهريَّ لا يُعرَفُ لهُ غَلَطٌ معَ كثرةِ حديثِهِ وسَعَةِ حفْظِهِ، لكنْ ذَكَرَ مسلمٌ في صحيحِهِ: أنَّ الزهريَّ حُفِظَ، أوْ نُقِلَ عنهُ نحوُ تسعينَ كلمةً أوْ حديثاً، انْفَرَدَ بهِ، ولمْ يَقُلْ مسلمٌ أنَّهُ غَلِطَ، لكنْ يقولُ: تَفَرَّدَ بهِ، لا يُرْوَى إلاَّ مِنْ طريقِهِ، ولكنَّ ذلكَ دليلُ سَعَةِ حِفْظِهِ.