تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي ضَرَبَ بهِ موسى مِن البقرةِ في قولِهِ تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، قالَ بعضُهم: إنَّهُ ذَنَبُها، وقالَ بعضُهم: إنَّهُ يَدَيْهَا، وقالَ بعضُهم: إنَّهُ قَلبُها، وقالَ بعضُهم: قِطعةٌ مِنْ فَخِذِها.

هذا مِن الْمُجْمَلِ ولا فائدةَ في تعيينِهِ ببعضِها، كما قالَ اللَّهُ، وكذلكَ البحْثُ فيهِ أيضاً تَكَلُّفٌ. قالوا: إنَّ التكلُّفَ في الشيءِ الذي لا فائدةَ فيهِ يُعتبَرُ مِنْ فضولِ الكلامِ. قالَ بعضُهم: إنَّ قومَ موسى تَكَلَّفُوا وتَشَدَّدُوا فشُدِّدَ عليهم لمَّا قالَ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، كلمةُ بقرةٍ مُطْلَقٌ، فلوْ ذَبَحُوا أَدْنَى واحدةٍ لأَجْزَأَتْ، ولكنَّهُم شَدَّدُوا، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾، يقولونَ: لوْ ذَبَحُوا أدْنَى بقرةٍ لأَجْزَأَتْ، فالتكَلُّفُ والسؤالُ يُوجِبُ أوْ يُوقِعُهم في الشِّدَّةِ.

ومِثلُ ذلكَ أيضاً الإِطْلاقَاتُ التي تأتي في الشرْعِ، مثالُهُ لَمَّا قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا))، تَكَلَّفَ الأقرَعُ فقالَ: أفي كلِّ عامٍ؟ فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا اسْتَطَعْتُمْ))، فقالَ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ))، يعني: إذا أَطْلَقْتُ لكم القولَ فلا تَتَكَلَّفُوا. ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ)) كلمةُ الْحَجِّ يعني: معناهُ حَجَّةٌ واحدةٌ.

وكذلكَ اخْتَلَفوا في مِقدارِ سفينةِ نوحٍ وما كانَ خَشَبُها، قالَ بعضُهم: طُولُها كذا، وارتفاعُها كذا، وقالَ بعضُهم: خَشَبُها مِنْ كذا. لا فائدةَ في ذلكَ. وكذلكَ اختَلَفوا في اسمِ الغلامِ الذي قَتَلَهُ الْخَضِرُ؛ أيْ: لا فائدةَ أيضاً فيهِ، إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿لَقِيَا غُلاَماً﴾، فلم يَذْكُر اسْمَهُ ولا مِقدارَ سِنِّهِ. فهذهِ الأمورُ طريقُ العلْمِ بها النقْلُ. ما كانَ منها مَنقولاً نَقْلاً صحيحاً عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، كاسمِ صاحبِ موسى أنَّهُ الْخَضِرُ، فهذا معلومٌ، فالشيءُ الذي ثَبَتَ بهِ النقْلُ يُقْبَلُ ويُعلَمُ، كاسمِ صاحبِ موسى في قولِهِ تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا رَجُلاً﴾، قالَ لهُ موسى: السلامُ عليكم. قالَ: وأنَّى بأرْضِكَ السلامُ؟! فقالَ: أنا مُوسَى. قالَ: مُوسَى بني إسرائيلَ؟ قالَ: نعم. قالَ: جِئْتُكَ لأَتَعَلَّمَ منكَ. قالَ: يا مُوسَى، إنَّكَ على عِلْمٍ مِن اللَّهِ لا أَعْلَمُهُ، وأنا على عِلْمٍ مِن اللَّهِ لا تَعلَمُهُ. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾، في الحديثِ تَسميتُهُ: ((فَوَجَدَ خَضِراً)).

وما لمْ يكُنْ كذلكَ، بلْ كانَ ممَّا يُؤخذُ عنْ أهلِ الكتابِ، كالمنقولِ عنْ كعبٍ ووهبٍ ومحمَّدِ بنِ إسحاقَ وغيرِهم ممَّنْ يَأخُذُ عنْ أهلِ الكتابِ، فهذا لا يَجوزُ تصديقُهُ ولا تكذيبُهُ إلاَّ بِحُجَّةٍ، وذلكَ أنَّ كعبَ الأحبارِ يَثِقُ بهِ كثيرٌ مِن السلَفِ، فيَنقُلونَ عنهُ أخباراً غيرَ صحيحةٍ، وتُسَمَّى الإسرائيليَّاتِ. وكذلكَ وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ هوَ أيضاً عندَهُ كُتُبٌ مِنْ كُتُبِ بني إسرائيلَ، وقدْ أَكْثَرَ بعضُ المفَسِّرِينَ مِن النقْلِ عنهُ، منهم ابنُ جَريرٍ نَقَلَ عنهما كثيراً في كثيرٍ مِن المواضِعِ، وكذلكَ البَغَوِيُّ، فتَجدونَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الرواياتِ كثيرةً. وابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَعْرَضَ عنها، ورَوَى فيها حديثاً مَرفوعاً، وحَقَّقَ أنَّهُ أيضاً ليسَ بمرفوعٍ؛ لأنَّهُ رواهُ عن ابنِ عُمَرَ مَولاهُ نافعٌ، وجَعَلَهُ مَرفوعاً إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ورواهُ عنهُ ابنُهُ سالمٌ، وجَعَلَهُ مَنقولاً عنْ كعبٍ، ثمَّ قالَ ابنُ كثيرٍ: سالمٌ أَحْفَظُ لحديثِ أبيهِ مِنْ نافعٍ. فتَبَيَّنَ أنَّ الحديثَ المرفوعَ لمْ يَثْبُتْ كذلكَ.

أوْرَدُوا عندَ تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ حكاياتٍ كثيرةً في صِفةِ قتْلِ جالوتَ، وكيفَ قَتَلَهُ داودُ. حكاياتٌ يَشهَدُ العقلُ الصحيحُ بِكَذِبِها. وكذلكَ أَوْرَدُوا في قِصَّةِ أيُّوبَ في سورةِ الأنبياءِ في قولِهِ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ حكاياتٍ كثيرةً يُعْلَمُ أنَّها لا أَصْلَ لها. وكذلكَ أَوْرَدُوا في قِصَّةِ داوُدَ في قولِهِ: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ﴾ إلى آخِرِها حكاياتٍ أيضاً كثيرةً, كلُّها مِن الإسرائيليَّاتِ. وأشباهُ ذلكَ كثيرٌ.

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٣٣