تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْعُلَمَاءُ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى مِنْ غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ)). هذهِ مِنْ صفاتِ القرآنِ، والحديثُ طويلٌ مشهورٌ، ولكِنَّهُ ضعيفٌ؛ لضَعْفِ إسنادِهِ عن الحارثِ الأعورِ؛ فإنَّهُ كَذَّابٌ، كما ذَكَرَ ذلكَ بعضُ الْمُفَسِّرِينَ. الحارثُ الأعورُ يُقالُ لهُ: أبو عبدِ اللَّهِ، تِلميذٌ لعَلِيٍّ، ومعَ ذلكَ فقدْ ذَكَرُوا أنَّهُ كَذَّابٌ. روى مُسلِمٌ في مُقَدِّمَةِ صحيحِهِ عن الشَّعْبِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي الحارثُ الأعورُ، وكانَ كذَّاباً. واشْتُهِرَ أيضاً كَذِبُهُ في كثيرٍ مِن الأحاديثِ، ومعَ ذلكَ فَلَمَّا كانَ تِلميذاً لعَلِيٍّ فإنَّ الرافضةَ يُقَدِّسُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، حتَّى أَلَّفَ بعضُ المُعَاصِرِينَ تأليفاً في تَرجمتِهِ والردِّ على الذينَ ضَعَّفُوهُ، ولكنَّ الجمهورَ على أنَّهُ ضَعيفٌ.

وتحقيقُ أحمدَ شاكرٍ للمُسْنَدِ لَمَّا جاءَ إلى تَرجمتِهِ في أَوَّلِ حَديثٍ مَرَّ بهِ عنْ عَلِيٍّ قالَ: إنَّ فيهِ كلاماً كثيراً، مِنْ توثيقٍ وتضعيفٍ، ونَستخيرُ اللَّهَ تعالى ونُقَدِّمُهُ مُضَعَّفاً. ثمَّ أَخَذَ يُضَعِّفُ كلَّ حديثٍ يَرْوِيهِ الحارثُ عنْ عَلِيٍّ، ولكنَّ هذهِ الصفاتِ صحيحةٌ، مُنْطَبِقَةٌ على القرآنِ؛ فإنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ المذكورُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾، فُسِّرَ بأنَّهُ القرآنُ، وهوَ الذِّكْرُ الحكيمُ في قولِهِ تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾، وهوَ الصراطُ المستقيمُ في قولِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ إلى آخِرِ ما ذَكَرَ المؤلِّفُ. لم يَجْزِمْ بأنَّهُ حديثٌ؛ وذلكَ لأنَّهُ يَعْرِفُ ضَعْفَهُ، اسْتَدَلَّ على هذهِ الصفاتِ بهذهِ الآياتِ، منها آياتُ سورةِ طه، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، لا شكَّ أنَّ الْهُدَى هنا هوَ الكتابُ والسُّنَّةُ الذي جاءَ بهِ النبيُّ محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، مَن اتَّبَعَهُ فلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى، والاتِّباعُ يُرادُ بهِ التَّمَسُّكُ بهِ والعملُ الصحيحُ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ ففُسِّرَ الذكْرُ ها هنا بأنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى باللسانِ وبالقلبِ وبالجوارحِ، ويُفَسَّرُ الذِّكْرُ بأنَّهُ هوَ القرآنُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى سَمَّاهُ ذِكْراً في آياتٍ كثيرةٍ، كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، يعني: القرآنَ؛ ولأنَّ فيهِ تَذكيرَ الناسِ كقولِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾؛ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾، يعني: ضَيِّقَةً، ولوْ كانَ في الدُّنيا في سَعَةِ عَيْشٍ ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قيلَ: إنَّهُ عَمًى حقيقيٌّ، وفُسِّرَ بأنَّهُ أَعْمَى عنْ حُجَّتِهِ، ولكنَّ قولَهُ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ يَدُلُّ على أنَّهُ العَمَى الحقيقيُّ الذي هوَ طَمْسُ العينَيْنِ، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، يعني: القرآنَ، أَعْرَضْتَ عنها ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، مثلُ قولِهِ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. ثمَّ ذَكَرَ الآياتِ مِنْ سورةِ المائدةِ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، سَمَّاهُ نُوراً يُستضاءُ بهِ، ومُبِيناً؛ أيْ: بَيِّناً واضحَ الدَّلالةِ، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾. السبُلُ: الطرُقُ السَّوِيَّةُ التي مَنْ سارَ عليها نَجَى، ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، يعني: مَنْ قَصَدَ رِضَا اللَّهِ تعالى هَداهُ اللَّهُ، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾. الظلماتُ: يعني: الْجَهالاتُ والكُفْرِيَّاتُ، والنورُ: هوَ الإسلامُ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني: طريقٍ سَوِيٍّ. ثمَّ ذَكَرَ الآياتِ مِنْ أَوَّلِ سورةِ إبراهيمَ: ﴿الر. كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، هذا الكتابُ هوَ القرآنُ، تُخْرِجُ بهِ الناسَ مِن الظلُماتِ إلى النورِ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾. الصراطُ هنا هوَ الطريقُ السَّوِيُّ، وأَضَافَهُ إلى اللَّهِ تعالى (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

وكذلكَ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الشُّورَى ﴿كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾، وهوَ هذا القرآنُ. والرُّوحُ ما تَحْصُلُ بهِ الحياةُ الحقيقيَّةُ، وقدْ يُطْلَقُ على ما تَحْصُلُ بهِ الحياةُ المعنويَّةُ، فالحياةُ الحقيقيَّةُ هيَ الحركةُ، فمَثَلاً كُلُّ حيٍّ مُتَحَرِّكٍ إذا خَرَجَتْ رُوحُهُ فإنَّهُ يَبْقَى جَسَداً لا حركةَ فيهِ، يُقَالُ: خَرَجَتْ رُوحُهُ الآنَ، يَعْنِي: ماتَ، وإنْ كانَتْ قدْ تَخْرُجُ ثمَّ تَعودُ كما في النومِ أوْ نَحْوِهِ، ولكنْ ها هنا الرُّوحُ رُوحٌ مَعْنَوِيَّةٌ، تَحْصُلُ بها حياةُ القلوبِ، حياةُ القلوبِ حياةٌ مَعنويَّةٌ، بمعنى انتباهِ المسلِمِ ومَعرفتِهِ لِمَا خُلِقَ لهُ، وحياةُ قلبِهِ بحيثُ يَعْرِفُ ما يَنفعُهُ وما يَضُرُّهُ، يكونُ ذلكَ بواسطةِ تَعَلُّمِهِ لهذا القرآنِ ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: بأَمْرِنَا، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾، يعني: قبلَ أنْ يُنَزَّلَ إليهِ ما كانَ يَدْرِي ما الكتابُ ولا الإيمانُ، حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عليهِ هذا الوحيَ، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾، فسَمَّاهُ رُوحاً وسَمَّاهُ نُوراً، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. المشيئةُ هيَ المشيئةُ القَدَرِيَّةُ، يعني: مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ تعالى هِدَايتَهُ،

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٣