تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقولُ: إذا عُرِفَ هذا فقولُ أحدِهم: نَزلتْ في كذا، ثمَّ يقولُ الآخَرُ: نَزلتْ في كذا، فيَذكرونَ لها سَببَيْنِ، فالجوابُ: أنَّهُ إذا كانَ اللفظُ يَتناولُهما فلا مُنافاةَ بينَهما؛ لأنَّ الآيَةَ تَعُمُّ هذا، وهذا يَكْثُرُ إذا ما قالوا: نَزلتْ في فُلانٍ، أوْ نَزلتْ في فِعْلِ كذا وكذا، ولا يَذكرونَ أنَّ هذا خاصٌّ، فلا يَحْصُلُ هناكَ مُنافاةٌ بينَهما، مثالُهُ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، ذُكِرَ أنَّ بعضَهم سَأَلُوا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ما بالُ الهلالِ يَبْدُو ضَعيفاً, ثمَّ يَتكامَلُ؟ نَزلت الآيَةُ أنَّهُ مواقيتُ للناسِ، يعني: جُعِلَ صَغيراً حتَّى يُعْرَفَ مَبدأُ الشهرِ، ثمَّ قالَ بعضُهم: إنَّها نَزلتْ في سؤالِهم: ما الْحِكمةُ في الأهِلَّةِ؟ فقيلَ: مواقيتُ للناسِ، فلا يُنافِي أَحَدُ السببَيْنِ الآخَرَ.

ويَذكرونَ هذا كثيراً في بعضِ الأسبابِ، مثلَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ ذُكِرَ أنَّها نَزلتْ في أُناسٍ كانوا يَتَمَنَّوْنَ القتالَ ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾، أرادوا القتالَ، فقيلَ لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾. ولها أسبابٌ أخرى، فإذا ذَكَرَ أحدُهم لها سبباً نَزلتْ لأجلِهِ، وذَكَرَ الآخَرُ سبباً، فقدْ يُمْكِنُ صِدْقُهما بأنْ تكونَ نَزلتْ عَقِبَ تلكَ الأسبابِ، ذَكَرَ ذلكَ بعضُهم في آيَةِ اللِّعانِ؛ لأنَّ أَحَدَ الرواةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُوَيْمِرٍ، والثاني قالَ: نَزلتْ في هلالٍ. ولعلَّ الصحيحَ أنَّها نَزلتْ عَقِبَ قِصَّتِهَما، أوْ عَقِبَ سؤالِهما؛ لأنَّ سؤالَهما كانَ مُتقارِباً، نَزلتْ عَقِبَ تلكَ الأسبابِ، وقيلَ: نَزلتْ مَرَّتيْنِ؛ مَرَّةً بسَببِ هلالٍ، ومَرَّةً بسببِ عُوَيْمِرٍ. والأقرَبُ أنَّها نَزلتْ مَرَّةً واحدةً، يَدخُلُ فيها هذا السببُ وغيرُهُ.

وهذانِ الصِّنفانِ مِن الصِّنفِ الثاني الذي هوَ مِنْ أصنافِ اختلافِ التنوُّعِ اللَّذَانِ ذَكرْنَاهُما في تَنَوُّعِ التفسيرِ، تَارةً لتَنَوُّعِ الأسماءِ والصفاتِ، كما تَقَدَّمَ في أسماءِ اللَّهِ، وأسماءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأسماءِ القرآنِ، وتارةً لذِكْرِ بعضِ أنواعِ الْمُسَمَّى وأقسامِهِ، بعضُ أنواعِهِ كالمثالِ للخُبْزِ كالتمثيلاتِ، فهذانِ الصِّنفانِ الغالبُ في تفسيرِ سَلَفِ الأُمَّةِ الذي يُظَنُّ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ.

وممَّنْ يَذكُرُ الاختلافَ ابنُ جريرٍ؛ فإنَّهُ إذا ذَكَرَ آيَةً قالَ: اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلكَ، فقالَ بعضُهم: كذا، ذَكَرَ مَنْ قالَ ذلكَ، وقالَ آخَرونَ: كذا، ذَكَرَ مَنْ قالَ ذلكَ، ثمَّ في النهايَةِ يَجمَعُ بينَهما، فيقولُ: إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ كذا، وجائزٌ أنْ يكونَ مُرادُهُ كذا، وجائزٌ أنْ يكونَ مُرادُهُ كذا وكذا.

يقولُ: كالتمثيلاتِ، هما الغالبُ في تفسيرِ سَلَفِ الأُمَّةِ الذي يُظَنُّ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ، ومِن التنازُعِ المنقولِ عنهم ما يكونُ اللفظُ فيهِ مُحْتَمِلاً للأمْرَيْنِ، هذا أيضاً قدْ يقولونَ: إنَّهُ اختلافٌ، ولكنَّ اللفظَ يَعُمُّ المعنييْنِ، مُحْتَمِلاً للمعنييْنِ، إمَّا لكونِهِ مُشترِكاً في اللفظِ، يعني: هناكَ ألفاظٌ مشترَكَةٌ يَشْتَرِكُ فيها مَعنيانِ، تُسَمَّى الألفاظَ المشتَرَكَةَ التي تَصْدُقُ على عِدَّةِ معانٍ، كلفْظِ العينِ تَصْدُقُ على العينِ الباصرةِ، كقولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾، وتَصْدُقُ على العينِ النابعةِ كقولِهِ: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾، وتَصْدُقُ أيضاً على العينِ الذي هوَ الجاسوسُ، يقالُ: بُعِثَ عيناً، يُسَمَّى هذا مُشْتَرَكاً.

وكلفظِ قَسْوَرَة في قولِهِ تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾، فُسِّرَ بأنَّ قَسورةَ هوَ الرامي، وفُسِّرَ بأنَّهُ الأسَدُ. والحُمُرُ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قيلَ: إنَّها الْحَميرُ الأهليَّةُ المُسْتَأْنَسَةُ التي تُرْكَبُ، وقيلَ: إنَّها المُتَوَحِّشَةُ، حِمارُ الوَحْشِ الذي هوَ مِن الصَّيْدِ، وهذا هوَ الذي يَليقُ بالرامي، الرامي إذا رَأَتْهُ تلكَ الْحُمُرُ الوحشيَّةُ فإنَّها تَفِرُّ منهُ، وكذلكَ تَفِرُّ مِن الأسدِ.

وكَلَفْظِ عَسْعَسَ، يُرادُ بهِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ عَسْعَسَ، قيلَ: إنَّ عَسْعَسَ يعني: أَقْبَلَ، وقيلَ: ﴿عَسْعَسَ﴾ يعني: أَدْبَرَ، يُفَسَّرُ بإقبالِ الليلِ وإدبارِهِ. ومِنْ ذلكَ أيضاً لفظُ القُروءِ في قولِهِ تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾، القُرْءُ: يُطْلَقُ على الطُّهْرِ، ويُطْلَقُ على الْحَيْضِ، كُلٌّ منهما لُغَةً يُطْلَقُ عليهِ أنَّهُ قُرْءٌ، كما في قولِ الأعشى يَمْدَحُ رجلاً بكثرةِ الغَزْوِ: لَمَا ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَ. يعني: مِنْ أيَّامِ طُهْرِهِنَّ (غير مسموع) ... قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ))، يعني: أيَّامَ حَيْضِكِ.

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٢٣