تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و هكذا أخبر بأن العبادة بها تقر عينه و يرتاح بدنه، و هو معنى قوله صلى الله عليه و سلم: "و جُعلت قرة عيني في الصلاة"، و قوله: "أرحنا يا بلال بالصلاة".

فهذا و نحوه يفيد أنه عليه الصلاة و السلام، يجد في الصلاة لذة قلبه و سروره و ابتهاجه و غاية فرحه و راحة بدنه؛ حيث إنه في الصلاة ينقطع عن الغير و يُقْبِلُ بقلبه على ربه، و يلتذ بذكره و مناجاته، و يتقلب من حال إلى حال يجد في كل منها الأنس بالعبادة، و كذا ينتقل من ذكر إلى دعاء، إلى تلاوة، و في الجميع قوة للقلب و البدن.

فبهذه الأوصاف تكون الصلاة مفيدة و مؤثرة على العبد وناهية عن الفحشاء و المنكر، فالرسول صلى الله عليه و سلم إنما يلتذ بالعبادة بأي وصف كانت، و لم يكن يؤثر الخلوة و الإنفراد، و ليس في كون الصلاة قرة عينه ما يدل على أحوال الصوفية و أذواقهم و مواجيدهم، و لو من بعيد.

فنحن نقول: ما نوع الأنس الذي يذوقون حلاوته، ثم يرون من لطفه العجائب؟ فإن كان الأنس بالذكر و الصلاة و الدعاء و التلاوة و التنقل في العبادة، فليس من شرط ذوقه الانفراد و العزلة و البعد عن الناس و ترك الجمع و الأعياد و الجماعات؛ بل إن حلاوة العبادات يحس بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، و أعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام و وساوس و حديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل و يسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته و يلطف بهم، و يكون من آثار لطفه أن يحميهم و يحفظهم عن القواطع و العوائق، و يعصمهم من كبائر الإثم و الفواحش، و يحميهم أيضاً من الشهوات و الملذات التي تعوق سيرهم إلى ربهم، و يكون من آثار لطفه توفيقهم و تسديدهم: في الأقوال، و الأعمال، و الإقبال بقلوبهم على الطاعات، و الاستكثار من الصالحات، و هذه سيرة الصحابة رضي الله عنهم، و من سار على نهجهم، الذين عمروا أوقاتهم بالتعلم و التفهم، و العمل و التطبيق، و هم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوة بنبيهم الذي قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم و أنام، و آكل اللحم، و أتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني".

* فأما قول الكاتب: [و تمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب].

فنقول: إن أراد التمتع و التلذذ بتدبر القرآن وتعلقه؛ بحيث يعده خطاباً من ربه إليه، فهذا حق و صواب، فإن الله تعالى أمر بذلك كما في قوله: ((ليدّبروا آياته)) (ص:29). و قوله: ((أفلم يدّبروا القول)) (المؤمنون:68). لكن ليس من شرط هذا التمتع خلوة، أو انفراد؛ بل يحصل التلذذ بتدبره في الصلاة، و بين الناس.

الكنز الثمين · الصفحة ٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الكنز الثمينص ٧١