تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعلم من هذا أن أهل الصفة هم فقراء المهاجرين، و لكنْ ليسوا قدوة لأهل التصوف، و لا لغيرهم، و ليسوا أفضل من أكابر الصحابة من المهاجرين، الذين لم يأووا إلى تلك الصفة، و من الأنصار الذين هم أهل المدينة، و الله تعالى مدح الصحابة و السابقين الأولين عموماً، و لم يخص أهل الصفة بمدح و لا ثناء يتميزون به عن غيرهم، و لا شك أن جميع الصحابة عبدوا الله محبة له و شوقاً لرؤيته، و طلباً لثوابه، و أهل الصفة من جملتهم، فلا مبرر لتخصيص أهل الصفة بأنهم عبدوه محبة فيه و شوقاً لرؤيته، ما دام هذا الوصف يدخل فيه معهم غيرهم.

* فأما قول هذا الكاتب: [و إمام الجميع المعصوم صلى الله عليه و سلم بتوجيه من الله عز و جلّ، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة .. الخ].

فنقول: صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم إمام جميع أمة الإجابة الذين صدقوه و شهدوا له بالرسالة؛ و لكنه لم يشرع لأمته هذه الشطحات، و لا نقلت عنه تلك المواجيد و الأذواق المزعومة، فأما خلوته في غار حراء فذلك تمهيد من الله لنزول الوحي عليه، ففي تلك الخلوة تصفية لسريرته و تفريغ لقلبه عن الشواغل، و إبعاد عن المجتمع المليء بالشرك و المعاصي و المخالفات؛ لكنه بعد أن نزل عليه الوحي لم يرجع إلى غار حراء، و ما حفظ أنه بعد النبوة صعد ذلك الجبل، و لا حاول الخلوة و التفرد و لا انقطع عن الناس؛ بل لم يزل مع الناس ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو إلى توحيد الله، و يخالط الناس و يجالسهم، و يعاشر أهله و يعلم أتباعه ما أوحي إليه، و يبلغ الناس رسالة ربه، و هكذا بعد أن هاجر إلى المدينة استمر في الدعوة و التعليم، و كان يجلس مجالس عامة يقرأ فيها القرآن، و يبين معانيه و يتلقى عنه أصحابه علم الشريعة، و تفاصيلها مع ما يقوم به من غزوات بنفسه، و بعث جيوش أو سرايا و دعاة إلى الله و جُباة، و بعث رسل و كتب لشرح تفاصيل الإسلام، و كل هذه الأعمال و نحوها تنافي أعمال الصوفية التي معظمها يدور على الخلوة و الابتعاد عن مجتمع الناس، و على ترك الشهوات المباحة من: النكاح، و تناول الطيبات، و إعطاء النفس حظها من المباح، الذي يتقوى به على عبادة الله، و قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: "لكني أصوم و أفطر، و أقوم و أنام، و آكل اللحم، و أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". فأين في سنته فعل الخلوة أو مدح الانقطاع عن الناس، أو التواجد و الطرب عند السماع أو نحو ذلك؟! بل إ نه قد نهى عن السماع الذي يستعمله الصوفية و ذم أهله، فأما ما يرويه الصوفية من تواجده و طربه في بعض المناسبات فكله كذب لا أصل له و الله الموفق.

ثانياً: إن حلاوة الأنس بالله تكون بذكر الله و اتباع شرعه:

الكنز الثمين · الصفحة ٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الكنز الثمينص ٦٩