بحمل الرسالة و تبلغها إلى جميع الناس، مع أنه لا يزال متصفاً بالبشرية و بالعبودية. قال الله تعالى: ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)) (الكهف:110). بل إن الرسل كلهم لم يخرجوا عن وصف البشرية كما حكى الله عن الرسل قولهم لأممهم: ((إن نحن إلا بشر مثلكم و لكن الله يمن على من يشاء من عباده)) (إبراهيم:11). و لما تعنَّت بعض المشركين و طلبوا منه بعض الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، قال الله تعالى له: ((قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً)) (الإسراء:93).
فهل من دليل يفيد أن الرسل خرجوا عن طبيعة البشرية، فصاروا يعلمون الغيب و يملكون التصرف في الكون، و يشاركون الرب في الإعطاء و المنع، و الضر و النفع، و نحو ذلك.
أليس قد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: ((قل ما كنت بدعاً من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ، و ما أنا إلا نذير مبين)) (الأحقاف:9).
بل أمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه هذه الأمور؛ حيث قال تعالى: ((قل لا أقول لكم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب و لا أقول لكم إني ملك)) (الأنعام:50).
بل قد وصفه الله تعالى بالعبودية، التي هي تمام التذلل و الخضوع للرب عز و جل، فقال تعالى في مقام التحدي، ((و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)) (البقرة:23). و قال تعالى في مقام الإسراء: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)) (الإسراء:1). و قال تعالى في مقام الدعوة: ((و أنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَداً)) (الجن:19). و قال تعالى: ((الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)) (الكهف:1). و قال: ((تبارك الذي نزل الفرقان على عبده)) (الفرقان:1).
فذكر تعالى أن من خصائصه صلى الله عليه و سلم، و مميزاته أن أنزل عليه هذا الكتاب، الذي أعجز الناس أن يعارضوه، و من خصائصه صلى الله عليه و سلم، و مميزاته أن أسرى ببدنه و روحه إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء إلى حيث شاء الله، و من فضائله أن كلفه ربه بالدعوة إلى الله، و كل هذه المميزات لم تخرجه عن وصف العبودية لله بكل معانيها من كونه مملوكاً للرب، و من كونه ذليلاً متواضعاً و خاضعاً له مطيعاً، و هذا وصف فضل و شرف اتصف به المصطفَون من عباد الله، و لم يتكبروا عنه، قال تعالى: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله و لا الملائكة المقربون)) (النساء:172).