ثم إن هذا الكاتب ذكر مثالاً لتأويل بعض الآيات المتشابهة، كما زعم و هي قوله: ((و جاء ربك)) (الفجر:22). فأقحم فيها لفظ: (أمر)، فقال: [و جاء أمر ربك و الملك .. إلخ].
و هذا تفسير الجهمية و من تبعهم، و لا عبرة بكثرة من قاله من المتقدمين و المتأخرين، فإننا متبعون للأدلة، فقد ذكر الله الإتيان و أضافه إلى ذاته، و فرق بين إتيانه و إتيان بعض آياته، فقال عز و جل: ((هل ينظرون إلى أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)) (الأنعام:158). و قال تعالى: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)) (البقرة:210) ... الخ.
و متى قلنا: إن الله يجيء كما يشاء إتياناً يليق به؛ لم يلزم القول بالحركة الموهومة، مع أن تأويله بالأمر لم ينقل عن أحد من السلف و هم الأسوة و بهم القدوة.
المثال الثاني: تأويل حديث النزول:
ثم ذكر مثالاً ثانياً للتأويل الذي التزم سلوكه خوفاً من التشبيه، فقال في السطر الثامن من الصفحة الثانية:
[(النزول) معناه: الهبوط من أعلى إلى أسفل، ثم الرجوع ثانياً إلى مكانه و هذا أيضاً مستحيل، إذاً لا بد من التأويل، نزول مَنّ و إفضال، و قبول توبة، بمعنى التنزل، لا كنزول الأجسام و الصور .. الخ].
و الجواب: أن يقال: وردت أحاديث كثيرة صحيحة، عن النبي صلى الله عليه و سلم في أن الله تعالى ينزل كل ليلة، و ذكرت بلفظ النزول و بلفظ الهبوط، و الذين نقلوها هم نقلة أحكام الشريعة و لم ينكرها أحد من السلف، و لم يقولوا: إن المراد نزول فضله أو منِّه أو قبوله التوبة .. الخ. كما أنهم لم يكيفوا ذلك و لم يشبِّهوه بنزول الأجسام، و اعتبروه مثل المجيء و الإتيان الذي أثبته الله لنفسه، و لم يلزم من إثباته ما هو مستحيل؛ بل الجميع نصّ على حقيقته، و هو من خصائص المتصف به لأنه تعالى: ((ليس كمثله شيء)) (الشورى:11) في ذاته و لا في صفاته.
2 - ثم قال في نفس السطر:
[((و يبقى وجه ربك)) (الرحمن:27) أي: ذاته. ((و لتصنع على عيني)) (طه:39) أي: عنايتي و رعايتي لك].