من فوره انحدر النديم إلى بيته في القاهرة، فودّع والده ثم اندس في بيت صديق له مكث فيه أياماً أطال خلالها لحيته وشاربيه وغيّر شكله وثيابه، وانتحل صفة شيخ صوفيّ ثم طار إلى دمياط حيث كانت حاميتها بقيادة عبد العال حلمي لا زالت تقاوم، وفيما هو في الطريق إليها علم أن الحامية قد استسلمت هي الأخرى، فقرر أن يغادر البلاد إلى أوربا، وعندما لم يتمكن من ذلك قرر أن يعتصم في الريف.
لم يكن اعتصامه في الريف عملاً خارقاً من أعمال عفاريت الجنّ طريفاً مضحكاً كما يرى بعض مؤرخي سيرته، وكذلك لم يكن تنكره والأدوار التي قام بها شبيهة بالحيل التي قام بها أبو زيد السروجي بطل المقامات المعروف كما يذكر أولئك الذين كتبوا عنه في ظلّ حكم الأسرة الألبانيّة وبوحيّ منها، والذين حاولوا أن يقللوا من دوره في الثورة العرابية كي يخففوا من ذنب كان قد ارتكبه كما يرون ومن قيمة الثورة أيضاً(1).
كان اختيار النديم للريف امتحاناً للشعب المصري، وفخراً لأنه استطاع أن يحمي زعيماً هارباً من أكبر زعماء الثورة العرابية، ودلالة على أصالة أبناء الريف، ولم يحمه فقط بل آوه وغذّاه وزوجه ورعاه تسع سنوات ونيفاً، وبذلك يكون قد أبقى على وهج الثورة كامناً بين صفوفه متمثلة بالنديم الذي سوف يبعث من جديد ثورة 1919، والتي هي امتداد للثورة العرابية وانعطاف لها.