تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأثّر رفاعة بأفكار أستاذه ولاصقه كالظل /حتى أصبح العطار نافذته الوحيدة على الثقافة الأوربية/ (12) وكما ذكرت فقد كان هذا الشيخ الأزهري يدعو إلى ضرورة معرفة ما عند الفرنسيين لبناء مستقبل لائق، كما كان من المؤمنين بالتنوع الثقافي مع المحافظة على الأصالة، وظلّ يردد ذلك حتى تمثّل تلميذه هذه القناعة وبقي يعمل لها طوال حياته.

مكث الطهطاوي في الأزهر ثماني سنوات كان خلالها تلميذاً دؤوباً جلداً مجداً ثم مدرساً نال ثقة طلابه ومحبتهم، وعندما احتاج محمد علي واعظاً للجيش طلب من العطّار رجلاً يملأ هذا الفراغ فاقترح الشيخ العطّار اسم تلميذه، وعندما قرر محمد علي أن يرسل طلاباً إلى أوربا خشي عليهم من الضياع في متاهات باريس لذلك رغب أن يرافقهم واعظ ديني، ومرّة أخرى يقترح العطار اسم الطهطاوي، وهكذا /سافر رفاعة إلى باريس إماماً واعظاً للبعثة المصرية منفتح الذهن لمعرفة الحياة هناك/ (3) وبينما كان التلميذ وأستاذه الشيخ يلقي كل منهما نظرة وداع على الآخر أوصى العطار تلميذه بما يجب أن يكون عليه في فرنسا وهمس في أذنه بأن يكتب رحلته ومشاهداته هناك.

وفي فرنسا أقبل رفاعة على القراءة بنهم وشغف لا يعرفان الكلل، واستثمر وقته كما لم يستثره دارس آخر، فاطلع على الحياة الفرنسية خاصة والأوربية عامة بوجوهها السياسية والثقافية والاجتماعية، وحين عودته إلى مصر عام 1831 قدّم صورة عن الحياة هناك في كتابه العظيم: تخليص الإبريز في مشاهدات باريز.

لقد دلّ الطهطاوي في كتابه هذا على وعي علمي وثورة كامنة في صدره، وأثبت أنه راغب في بناء مصر الحديثة من خلال المقارنة بين أوضاعها وبين أوضاع فرنسا، وكان هذا الرجل الموسوعي يتنقل في مصر من معهد إلى معهد ومن مدرسة إلى أخرى مدرساً ثم مترجماً ثم رئيس تحرير لصحيفة أو جريدة مدركاً في كل ذلك ضرورة التغيير الاجتماعي والنهضة التعليمية والتربوية على الطرق الحديثة.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة * · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة *ص ٣٦