لقد طالت عقوبات النفي عدداً من رجالات مصر وعدداً من الضبّاط وطرد قسم منهم من الخدمة العسكرية وقدر عدد الذين قدموا إلى المحاكمة //بثلاثين ألفاً//(36)، وحملت الصحف على الوطنيين واستؤجرت الأقلام المزيفة وأخذت تشوه الحقائق والتاريخ وسخط الأتراك على أبناء العرب واستولى اليأس على النفوس وفشت روح التخاذل وسحق زعماء الثورة وذلّ قادتها وتهاتروا فيما بينهم وتنكّر الناس لهم وأنكروا مبادئهم ودّبت الوشايات بين الصفوف وأصبح كل من له حقد على أحد يتهمه بمشايعة الثورة وامتلأت السجون وتفرّق الصحب واحداً بعد الآخر ليواجه كل مصيره بمفرده، وتبعثر الوطنيون الفارّون في جنبات البلاد وذابوا في صفوف الشعب كما تذوب قطرات الماء في الشاطئ الرملي، وفوق هذا فقد تبارى الشعراء في هجاء عرابي والعرابيين وعلى رأسهم أمير الشعر العربي.
(((
الفصل الثاني :
الحياة الثقافية
بدأت النهضة في أوربا ومنها انتشرت في أصقاع العالم على أيدي الطبقة المتوسطة بعد أن استكملت شروط نموها بعد الثورة الصناعية، وقد لعب الحرفيون فيها أدواراً بارزة، ودخلت هذه الطبقة في صراع مرير مع الأفكار الآسنة السائدة وعبّرت عن رغبتها في التغيير والانعتاق من الفكر الإقطاعي المحافظ وتناولت أقلام المفكرين مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وشتى الشؤون الأدبية والفنية ولم يدعوا شيئاً إلا وأشبعوه درساً وتحليلاً، لقد شهد القرن التاسع عشر قمة الصراع بين القديم والجديد في أوربا وبدا كأن بحراً ثقافياً تلاطم فيه الآراء وتصطخب ويحتدم الجدل في الحياة الروحية والمادية.
وتكونت في أوربا صناعة متطورة شقّت طريقها إلى جميع البلدان ورافقتها أفكار جديدة كانت تنسل وتدخل إلى البنى الزراعية والاجتماعية المتخلفة سرعان ما أصبحت مقياساً للتقدم.