كان مثقفاً شعبياً نظيفاً صادقاً وشاهد عصر على مظالم إسماعيل وابنه توفيق، شيّد مع الفلاحين ثورتهم الوطنية ورأى فيها مشروعاً يفضي إلى مستقبل تسوده العدالة الاجتماعية لذلك أيدها وانخرط في صفوفها خطيباً سياسياً نال الصدارة بين قادتها ثم جندياً محارباً نافح بكلتا يديه عنها، وعندما انهار هذا المشروع لم يعتذر أو يندم على تأييده له واشتراكه فيه كما ندم الآخرون واعتذروا، بل طوى علم الثورة وإلى الريف فرّو فيه اعتصم، وذاب بين أبنائه كما يذوب النهار على مذبح الشفق.. وبهذين الموقفين: الاحتفاظ بعلم
الثورة والثقة بشعب مصر تفرد عن غيره من العرابيين.
وهذه الدراسة لم تكن الأولى لعبد الله النديم فقد سبقتها دراسات وأبحاث استفدت منها وعليها اعتمدت وفي مقدمتها دراسة الدكتور علي الحديدي.. ولعلي أقترب من الحقيقة إذا قلت:
أولاً ... : إن تلك الدراسات عن النديم غاصت في سرد الجزئيات عن حياته وعن قصة اختفائه في الريف مما أبعدها عن أهم ما في حياته من أعمال فكرية وأدوار نضالية كان من المفروض أن يركز عليها الباحثون والدارسون.
ثانياً ... : لم تلق مقالات النديم السياسية فيما أعلم تحليلاً على الرغم من أهميتها البالغة كما لم تعط أعماله الأدبية على الرغم من سذاجتها نظراً لظروف عصرها دورها في النهضة العربية.
ثالثاً ... : لم تتوسع الدراسات في مواقف النديم الطبقية ومحاولته الدائمة جذب الثورة العرابية إلى جانب الفلاحين وسعيه الدؤوب إلى تغذيتها بأبناء مصر الفقراء في وقت كانت القلة النادرة تدرك أبعاد الثورة الاجتماعية ولعل هذا الموقف لذلك الرجل أهم ما في حياته وسيرته السياسية.
رابعاً ... : لقد حاولت سد الفراغ الذي تركته تلك الدراسات وسعيت إلى تفسير علاقة النديم بالريف وانفردت بتفسير سبب اعتصامه فيه وما كان ذلك ليتم لولا الثورة الدائمة التي كان يمور بها الريف.