وكي تبقى الأمة حيّة لابدّ من أن يحترم أبناؤها حريّة الناخبين التي عبّر عنها بالشورى كغيره من مثقفي عصر النهضة، ومرّة أخرى يقدّم أوربا دليلاً على اعتماد الحريّة والعزوف عن الأخذ بالرأي الفردي وما كان لذلك من أثر في تقدمها حيث //أحدثت مجالس الوزراء والشورى وألقت تبعة البلاد على كواهل أهاليها، فتنتخبهم لتتحد أفكارهم، وهكذا بقيت أوربا حيّة بحياة قواها العاملة، وصار للأمة الثقة بملوكها ووزرائها لعلمها أنهم لا يصرفون شيئاً ولا يحدثون عملاً ولا يبرمون أمراً إلا بمشورة نوّابها وتبادل الأفكار بين الوزراء والنوّاب//(22)، هذا في أوربا، فماذا حصل في الشرق..؟ يقول النديم لم يكن ثمة ثقة بين الملوك ونابغتهم لذلك نراهم// إذا نبغ فيهم أناس وضعوهم تحت التضييق حتّى يبغض الآخرون طريق العقلاء والنبهاء فراراً من الوقوع فيما وقعوا فيه من البلاء//، فعلى الشرق كي يتخلص من أمراضه هذه//أن ينشئ المجالس الفكرية والأدبية حتّى يسير في ركب التقدّم، وسوف تكون هذه المجالس وما يدور فيها من حوار روحاً ثانية في جسد الأمة المتحرّك بروح العمال والنّواب//.
في جانب آخر يدعو النديم إلى حماية المصنوعات الوطنية، وضرورة دعمها برؤوس أموال وطنيّة أيضاً، ويتحدث عن ثروة الشرق بمرارة ويقترح على الشرقيين إنشاء صناديق ماليّة لدعم صناعتهم وتجارتهم كما حصل في أوربا وبهذا //يرتفع الفقراء إلى مقام الأغنياء//، والأهم من هذا أن يقلع ملوك الشرق عن هدر الثروات وصرفها في الملاذ والشهوات كي لا تصبح الصناعة عرضة للضياع، ثم يطلب منهم في ذلك الزمن الموغل بالقدم أن يكفوا عن تحويل الثروة الوطنية إلى أوربا فقد أماتوا بهذا الصنعة والصنّاع// فترى الصانع الشرقيّ يئن من ألم الفقر وهو جار الغني ولكنه لا يشعر بأنينه لاشتغاله عنه بالملاذ والملاهي.