تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي رسالة أخرى إلى عرابي أيضاً يفلسف له الهزيمة ويشرحها ويدعوه فيها إلى النظر إليها على أنها تجربة تاريخيّة مليئة بالدروس والعبر تضيفها الأمة إلى تجاربها لتستفيد منها، لذلك ينبغي إمعان النظر بالأحداث، فالهزيمة لا تعني اليأس بقدر ما تعني الأمل في معاودة الكرّة من جديد، وكذلك الظفر فيما يعنيه إعداد الجماهير وتربيتها في مدارس الدهاء والحنكة والشدّة، من جهة وحسن اختيار الأنصار والحلفاء من جهة ثانية مشيراً بذلك إلى الأدوار التي لعبها الإقطاعيون وكبار الملاكين من عرب وأتراك في الثورة العرابية وما تسببوا به من عار الهزيمة الذي سيكتبه التاريخ عليهم دون أن ينال الشرفاء منه شيء، إنهم هم الذين ارتكبوا السيئات وأحاطت بهم الأخطاء وسيرون نتائج تحالفهم مع العدو، يقول النديم في رسالته // الغلبة ليست قاصرة على الظفر بالعدو بل قد تكون الهزيمة لتقوية العزيمة وزيادة الاستبصار في الأحزاب والأنصار وتربية الأفكار في مدرسة الإنكار كما كانت عليه الهيئة المصرية في الحرب العرابية ... وما علينا بهزيمتنا بفعل الخائنين عار بل من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك هم أصحاب النار وسيريهم الإنكليز ضدّ ماكانوا يفعلون ... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ... //..

كان النديم دائم التفكير بالثورة وأحداثها، وكان دوماً يقلّب صفحاتها ويتحدّث عنها بفيض من الكلام، ويستخلص منها الدروس والعبر، ففي الرسالة ذاتها يرى أن هزيمة الثورة قد مهدّت للإنكليز وجعلتهم يبسطون أيديهم على البلاد وأن يستميلوا بعض قادتها بالمال، ومع هذا فهي تجربة وصفحة مشرقة في تاريخ مصر السياسي رغم ما شابها من أخطاء وما أحاطها من أعداء، ويعترف أن الثورة كانت ركاماً من الآراء والمشارب حددت بنية الوعي فيها ظروف العصر وملابساته، لذلك فقد تجاور فيها المخلصون والمترددون والمذبذبون والساذجون كما يقول إلى عرابي.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة * · الصفحة ١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة *ص ١٠٧