تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن المظاهرات العسكرية التي قادها أحمد عرابي ليست مقدمة الثورة العرابية، بل كانت نضالات الفلاحين تلك هي الروح التي بعثت الثورة وأحيتها وأضرمتها بعد أن كانت قد انصهرت فيها وأمدتها بمظاهر قوميّة وحدوية عبّر عنها الشعب المصري بسهولة قبوله واستعداده للخروج من التبعية التركية البغيضة في وقت كان فيه العالم الإسلامي يرى الخليفة العثماني أب المؤمنين وظل الله على الأرض، كما عبر الشعب المصري عن أصدق مشاعر الحب لتلك المظاهر الثورية بمؤازرته وولائه للعرابيين وحزنه العظيم يوم فشلهم المشؤوم واحتفاظه بالنديم حيّاً.

كان لابد من أن تستوعب الحركة الوطنية هذا الماضي العريق من النضال الفلاحي الثوري، وإن كانت لم تقبله بعفويته فقد نظرت إليه بثاقب البصر وأدقه وأمدته بنسغ جديد وفهم ربط بين الخاص والعام، وأقامت أوثق العلاقات بين الريف والمدينة، لعب النديم دوراً بارزاً في هذا كله، بل كان قد تفرّد في هذا الدور دون سائر العرابيين، وإن كنّا ندرك الآن سبب تأييد الفلاحين للثورة العرابية التي أصبحت لسان حال الأمة بمدنها وأريافها، فلابدّ لنا من أن نكون قد فهمنا المغزى من فرار النديم إلى الريف واعتصامه فيه، فهناك تصعلك وتشرّد وجاع وثرثر وتأمّل، وتعلم عشق الحريّة وتنسّم نسائمها بملء رئتيه من منابعها الأصلية منذ أن كان في سلك الأدباتية، لقد كان أكثر المصريين تجوالاً في ربوع الريف ... لصيقاً بآلامه ... تحسسها بعينيه ويديه وعايشها في القرى والطرق والمنعطفات دون أن يحدثه أحد عنها، ولم يكن كاتباً على صفحات الورق فحسب، بل كان فناناً يناقش كلّ شيء مع كل إنسان.. وحين تشحّ مياه النيل وينقلب الجوع وحشاً ضارياً يلتهم الفقراء حين ذاك تبدو له كل فنون الكلام سخيفة لا قيمة لها وينقلب إلى ثوريّ ذي رسالة اجتماعية مدرك أسباب الانتفاضات الضارية وأسرارها..

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة * · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة *ص ١٠١