وهل إذا أجرها ثان للمؤجر الأول تبطل الإجارة الأولى؟ رأيان: الصحيح لاتبطل، والثاني تبطل، وذلك لأن إيجارها للمؤجر تناقض؛ لأن المستأجر مطالب بالأجرة فيصح دائناً من جهة واحدة، وهذا تناقض " (1)
في ضوء ما تقدم من الرأي القائل بجواز إجارة العين المستأجرة سواء في هذا لأجنبي، أو للمؤجر صاحب الملك نفسه، وبسعر مماثل، أو أقل، أو أكثر، فإنه يبدو ـ والله أعلم ـ أنه لامانع من ذلك إذا خلا العقد من الأمور الثلاثة الآنفة الذكر.
وقد تقدمت النصوص المفيدة لهذا في رقم (2) و (3) من هذا المبحث،
هذا يقود إلى البحث في الموضوع التالي:
4. شرعية إصدار صكوك على حقوق التملك الزمني (صكوك الإجارة):
إصدار حقوق التملك الزمني (صكوك إجارة) لامانع منها، بشرط أن لايتضمن العقد غرراً، أو جهالة، أوتحايلاً على معاملة ربوية، مما هو ممنوع شرعاً في كل معاملة مالية؛ فإن هذا العقد فيه معنى (المالية)، وهذا متحقق في منفعة العين المؤجرة، والأجرة المقابلة لها. (2)
وقد صدر قرار رقم 137 (3/ 15) بشأن إجازة صكوك الإجارة من " مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بمسقط (سلطنة عمان 9 14ـ 19 المحرم 1425هـ، الموافق آذار (مارس) 2004م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع صكوك الإجارة، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله قرر ما يأتي:
أولاً: تقوم فكرة صكوك الإجارة على مبدأ التصكيك (أو التسنيد، أو التو رق) الذي يقصد به إصدار أوراق مالية قابلة للتداول مبنية على مشروع استثماري يدر دخلاً، والغرض من صكوك الإجارة تحويل الأعيان والمنافع التي يتعلق بها عقد الإجارة إلى أوراق مالية (صكوك) يمكن أن تجري عليها عمليات التبادل في سوق ثانوية، وعلى ذلك عرّفت بأنها: "سندات ذات قيمة متساوية، تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان أو منافع ذات دخل".
ثانياً: لا يمثل صك الإجارة مبلغاً محدداً من النقود، ولا هو دين على جهة معينة –سواء أكانت شخصية طبيعية أم اعتبارية- وإنما هو ورقة مالية تمثل جزءاً شائعاً (سهماً) من ملكية عين استعمالية، كعقار، أو طائرة، أو باخرة، أو مجموعة من الأعيان الاستعمالية –المتماثلة والمتباينة- إذا كانت مؤجرة، تدرّ عائداً محدداً بعقد الإجارة.
ثالثاً: يمكن لصكوك الإجارة أن تكون اسمية، بمعنى أنها تحمل اسم حامل الصك، ويتم انتقال ملكيتها بالقيد في سجل معين، أو بكتابة اسم حاملها الجديد عليها، كلما تغيرت ملكيتها، كما يمكن أن تكون سندات لحاملها، بحيث تنتقل الملكية فيها بالتسليم.
رابعاً: يجوز إصدار صكوك تمثل ملكية الأعيان المؤجرة وتداولها –إذا توفرت فيها شروط الأعيان التي يصح أن تكون محلاً لعقد الإجارة- كعقار، وطائرة، وباخرة ونحو ذلك، ما دام الصك يمثل ملكية أعيان حقيقية مؤجرة، من شأنها أن تدرّ عائداً معلوماً.
خامساً: يجوز لمالك الصك –أو الصكوك- بيعها في السوق الثانوية لأي مشتر، بالثمن الذي يتفقان عليه، سواء كان مساوياً أم أقل أم أكثر من الثمن الذي اشترى به، وذلك نظراً لخضوع أثمان الأعيان لعوامل السوق (العرض والطلب).
سادساً: يستحق مالك الصك حصته من العائد –وهو الأجرة- في الآجال المحددة في شروط الإصدار منقوصاً منها ما يترتب على المؤجر من نفقة ومؤنة، على وفق أحكام عقد الإجارة.
سابعاً: يجوز للمستأجر الذي له حق الإجارة من الباطن أن يصدر صكوك إجارة تمثل حصصاً شائعة في المنافع التي ملكها بالاستئجار بقصد إجارتها من الباطن، ويشترط لجواز ذلك أن يتم إصدار الصكوك قبل إبرام العقود مع المستأجرين، سواء تم الإيجار بمثل أجرة الإجارة
(1) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج1، ص268.
(2) انظر: أبوسليمان، عبد الوهاب، فقه المعاملات الحديثة، ص 134.