قال القاضي أبو محمد: وقدر هذه المسألة إنما هو بحسب غنى المشتري وحاجته، والوجه عندي أن يشتري ما لم يؤذ غلاؤه، ويترتب أيضاً عدم الماء للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهذا هو الذي يقال فيه: إنه لم يجد ماء ولا تراباً، كما ترجم البخاري، ففيه أربعة أقوال، فقال مالك وابن نافع: لا يصلي ولا يعيد، وقال ابن القاسم: يصلي ويعيد، وقال أشهب: يصلي ولا يعيد وقال اصبغ: لا يصلي ويقضي، إذا خاف الحضري فوات الوقت إن تناول الماء، فلمالك رحمه الله قولان في المدونة: إنه يتيمم ولا يعيد، وقال: إنه يعيد، وفي الواضحة وغيرها عنه: أنه يتناول الماء ويغتسل وإن طلعت الشمس. وعلى القول بأنه يتيمم ولا يعيد إذا بقي من الوقت شيء بقدر ما كان يتوضأ ويصلي ركعة، فقيل: يعيد، وقيل: لا يعيد، ومعنى قوله ﴿فتيمموا﴾ في اللغة: اقصدوا، ومنه قول امرىء القيس [الطويل]
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عُرْمُضُها طَامي
ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [المتقارب]
تَيَمَّمْت قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ ... مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ
ثم غلب هذا الاسم في الشرع على العبادة المعروفة، والصعيد في اللغة: وجه الأرض، قاله الخليل وغيره، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]
كأَنَّه بالضُّحى تَرمي الصَّعيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ
واختلف الفقهاء فيه من أجل تقييد الآية إياه بالطيب، فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض، تراباً كان أو رملاً أو حجارة أو معدناً أو سبخة، وجعلت " الطيب " بمعنى الطاهر، وهذا مذهب مالك، وقالت طائفة منهم: " الطيب " بمعنى الحلال، وهذا في هذا الموضع قلق، وقال الشافعي وطائفة: " الطيب " بمعنى المنبت، كما قال جل ذكره
(23/ 157)