وقال أبو حنيفة: موقع وصف المؤمنات هنا كموقعه مع قوله: ﴿المحصنات المؤمنات﴾، فلم يشترط في نكاح الأمة كونها مؤمنة، قال أبو عُمر بن عبد البرّ: ولا أعرف هذا القول لأحد من السلف إلاّ لعَمْرو بن شرحبيل وهو تابعيّ قديم روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب؛ ولأنَّ أبا حنيفة لا يرى إعمال المفهوم.
وتقدّم آنفاً معنى ﴿ملكت أيمانكم﴾.
والإضافة في قوله: ﴿أيمانكم﴾ وقوله: ﴿من فتياتكم﴾ للتقريب وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء والترفّع عن نكاحهم وإنكاحهم، وكذلك وصف المؤمنات، وإن كنّا نراه للتقيد فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقريب، إذ الكفاءة عند مالك تعتمد الدين أوَّلاً.
وقوله: ﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ اعتراض جمع معاني شتّى، أنّه أمر، وقيدٌ للأمر في قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾ إلخ؛ وقد تَحول الشهوة والعجلة دون تحقيق شروط الله تعالى، فأحالهم على إيمانهم المطلّع عليه ربّهم.
ومن تلك المعاني أنّه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر، وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعْلَها حليلة، ولكن يقضون منهنّ شهواتهم بالبغاء، فأراد الله إكرام الإماء المؤمنات، جزاء على إيمانهنّ، وإشعاراً بأنّ وحدة الإيمان قرّبت الأحرار من العبيد، فلمَّا شَرَع ذلك كلّه ذيّله بقوله: ﴿والله أعلم بإيمانكم﴾، أي بقوّته، فلمّا كان الإيمان، هو الذي رفع المؤمنين عند الله درجات كان إيمان الإماء مُقنعا للأحرار بترك الاستنكاف عن تزوجهنّ، ولأنّه رُبّ أمةٍ يكون إيمانها خيراً من إيمان رجل حرّ، وهذا كقوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13].
وقد أشار إلى هذا الأخير صاحب "الكشاف"، وابن عطية.
(22/ 60)