وروى الدّارَقُطْنِيّ من حديث عاصم بن ضمرة عن عليّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدَّين قبل الوصيّة وليس لوارث وصيّة " رواه عنهما أبو إسحاق الهَمْدانيّ.
فالجواب من أوجهٍ خمسة : الأوّل إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ؛ فلذلك تقدّمت الوصية في اللفظ.
جواب ثان لما كانت الوصية أقلَّ لزوماً من الدَّين قدّمها اهتماماً بها ؛ كما قال تعالى : ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ [ الكهف : 49 ].
جواب ثالث قدّمها لكثرة وجودها ووقوعها ؛ فصارت كاللازم لكل ميّت مع نصّ الشرع عليها ، وأخّر الدّين لشذوذه ، فإنه قد يكون وقد لا يكون.
فبدأ بذكر الذي لا بُدّ منه ، وعطف بالذي قد يقع أحياناً.
ويقوِّي هذا : العطف بأو ، ولو كان الدَّين راتباً لكان العطف بالواو.
جواب رابع إنما قدّمت الوصية إذْ هي حظّ مساكين وضعفاء ، وأُخّر الدَّين إذ هو حظُّ غريم يطلبه بقوّةٍ وسلطان وله فيه مقال.
جواب خامس لما كانت الوصية ينشئها مِن قِبَل نفسه قدّمها ، والدَّين ثابت مؤدًّى ذكره أو لم يذكره.
ولمّا ثبت هذا تعلّق الشافعيّ بذلك في تقديم دَيْن الزكاة والحج على الميراث فقال : إن الرجل إذا فرّط في زكاته وجب أخذُ ذلك من رأس ماله.
وهذا ظاهر ببادىء الرأي ؛ لأنه حقٌّ من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدميّ.
وقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أدّيت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يُخرَج عنه شيء.
قالوا : لأن ذلك موجِب لترك الورثة فقراء ؛ إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميعَ ماله فلا يبقى للورثة حق. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 73 ـ 74﴾. بتصرف يسير.