قوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
قال أبو بكر الوراق ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار منا له بالملك : ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون﴾ إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى ، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140﴾
وقال القرطبى :
جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب ، وعصمة للممتَحنين ؛ لما جمعت من المعاني المباركة ؛ فإن قوله : "إنَّا لِلَّهِ" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله : ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا ؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا ، ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسَفي على يوسف. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 2صـ 176﴾
فوائد جليلة
قال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين : فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، والصبر على أداء فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهاراً لقوله : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون﴾ فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكي عن داود الطائي قال : الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها ، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثواباً.