فصل
قال القرطبى :
قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا ﴾ الآية.
ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة ؛ فحضّ على الصبر على الطاعات وعن الشهوات ، والصبر الحبس ، وقد تقدّم في "البقرة" بيانه.
وأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء ؛ قاله زيد بن أسلم.
وقال الحسن : على الصلوات الخمس.
وقيل : إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو يَنْزَع.
وقال عطاء والقرظي : صابروا الوَعْد الذي وُعِدتم.
أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " انتظار الفرج بالصبر عبادة " واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله.
والأوّل قول الجمهور ؛ ومنه قول عنترة :
فلم أرَ حَيّاً صابروا مثل صبرِنا . . .
ولا كافَحُوا مثلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ
فقوله : "صابروا مثل صبرنا" أي صابرون العدوّ في الحرب ولم يبدُ منهم جُبْن ولا خَوَر.
والمكافحة : المواجهة والمقابلة في الحرب ؛ ولذلك اختلفوا في معنى قوله ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ فقال جمهور الأمة : رَابِطُوا أعداءكم بالخيل ، أي ارتبطواها كما يرتبطها أعداءكم ؛ ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمِن رِّبَاطِ الخيل ﴾.
وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخَوّف منهم ؛ فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مُنَزّلِ شدّةٍ يجعل الله له بعدها فَرَجاً ، وإنه لن يغلِب عسر يُسرين ، وإنّ الله تعالى يقول في كتابه ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.