أجيب : بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد ، ومعناه أي : لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى : ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ (آل عمران ، ) وقيل : ليعلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى ؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل : معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله تعالى : ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ (الأنفال) فوضع العلم موضع التمييز التابع ؛ لأنّ بالعلم يقع التمييز ، فالعلم سبب والتمييز مسبب ، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز.
تنبيه : العلم في الآية إمّا بمعنى المعرفة ، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من يتبع ، وإمّا معلق لما في من معنى الاستفهام ، وإمّا أن يكون مفعوله الثاني ممن ينقلب أي : ليعلم من يتبع الرسول مميزاً ممن ينقلب.
فإن قيل : على الأوّل كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف بها ؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك ؟
أجيب : بأنّ ذلك لشيوعها فيما تقتضي أن يكون مسبوقاً بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة ، كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين ، بل قال الوليّ العراقي :
قد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقوال الصحابة أو كلام أهل اللغة.
فإن قيل : لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ ؟
أجيب : بأنه قدم محافظة على الفواصل. أ هـ ﴿السراج المنير حـ 1 صـ 159﴾.
وقال ابن عرفة :
قوله تعالى : ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
دليل على أنّ الكافر منعم عليه لعموم الناس ، وفيه خلاف ،
وأجيب بأنه منعم عليه في الدنيا فقط.