﴿ ذلك ﴾ أي المذكور من المذكورات ﴿ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ ﴾ أصلاً ، ونسبة القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم على نحو ما مر غير مرة ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء عليهم السلام على ما يقتضيه القرب فلا تكرار ، وقيل : معناه أن ضرب الذلة وما يليه كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو معلل بعصيانهم واعتدائهم ، والتعبير بصيغة الماضي والمضارع لما مر. أ هـ ﴿روح المعانى حـ 4 صـ 29 ـ 30﴾
ومن فوائد ابن عاشور فى الآية
قال رحمه الله :
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة }.
يعود ضمير ( عليهم ) إلى ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ [ آل عمران : 110 ] وهو خاص باليهود لا محالة ، وهو كالبيان لقوله ﴿ ثم لا ينصرون ﴾.
والجملة بيَانيّة لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا.
ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها ، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبّهت الذلّة ، وهي أمر معقول ، بقية أو خيمة شملتهم وشبّه اتّصالها وثباتها بضرب القبة وشَدّ أطنابها ، وقد تقدّم نظيره في البقرة.
و ﴿ ثُقفُوا ﴾ في الأصل أخذوا في الحرب ﴿ فإمّا تثقفنّهم في الحرب ﴾ [ الأنفال : 57 ] وهذه المادة تدلّ على تمكّن من أخذ الشيء ، وتصرّف فيه بشدّة ، ومنها سمي الأسْر ثِقافاً ، والثقاف آلة كالكلُّوب تكسر به أنابيب قنا الرّماح.
قال النابغة :
عَضّ الثِّقَافِ على صُمّ الأنَابِيب
والمعنى هنا : أينما عثر عليهم ، أو أينما وجدوا ، أي هم لا يوجدون إلا محكومين ، شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم.