وأما ما اعترض به من قوله : ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ [ الجاثية : 31 ] وأنهم قدروه : فيقال لهم : أفلم تكن آياتي ، فحذف فيقال ولم تحذف الفاء ، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح ، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في " أفَلَمْ " ليست فاء " فيقال " التي هي جواب " أما " - حتى يقال : حذف " يقال " وبقيت الفاء ، بل الفاء التي هي جواب " أما " و" يقال " بعدها - محذوف ، وفاء " أفلم " يحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون زائدة.
وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر : [ الطويل ]
يَمُوتُ أناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتَاهُمُ... وَيَحْدُثُ نَاسٌ ، والصَّغِيرُ فِيَكْبُرُ
أي : صغير يكبر ، وقول الآخر : [ الكامل ]
لَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِزمُهَا... فَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْضَبُ
أي : تركت ، وقول زُهير : [ الطويل ]
أرَانِي إذَا ما بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى... فَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا
يريد ثم إذا.
وقال الأخفش : " وزعموا أنهم يقولون : أخوك فوجد ، يريدون : أخوك وجد ".
والوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية ، والتقدير : فيقال لهم ما يسوؤهم ، " أفلم " تكن آياتي ، ثم اعتني بحرف الاستفهام ، فتقدمت على الفاء التفسيرية ، كما تتقدم على الفاء التي للتعقيب في قوله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ [ يوسف : 109 ] وهذا على رَأي من يثبت أن الفاء تفسيرية ، نحو توضأ زيد فغسل وجهه ويديه.. إلى آخر أفعال الوضوء ، فالفاء - هنا - ليت مرتِّبة ، وإنما هي مفسِّرة للوضوء ، كذلك تكون في ﴿أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ مفسرة للقول الذي يسوؤهم.