ويجوز أيضا ، على اعتبار الضمير خطابا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أن تكون من للتبعيض ، والمراد من الأمة الجماعة والفريق ، أي : وليكن بعضكم فريقا يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصحابة فقد قال ابن عطية : قال الضحاك ، والطبري : أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة.
فهم خاصة أصحاب الرسول وهم خاصة الرواة.
وأقول : على هذا يثبت حكم الوجوب على كل جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطل الهدى. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 3 صـ 178 ـ 180﴾
فصل
قال الفخر :
في قوله ﴿مّنكُمْ﴾ قولان
أحدهما : أن ﴿مِنْ﴾ ههنا ليست للتبعيض لدليلين
الأول : أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ [ آل عمران : 110 ]
والثاني : هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول : معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما كلمة ﴿مِنْ﴾ فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى : ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [ الحج : 30 ] ويقال أيضاً : لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم ، كذا ههنا ، ثم قالوا : إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين ، ونظيره قوله تعالى : ﴿انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ [ التوبة : 41 ] وقوله ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [ التوبة : 39 ] فالأمر عام ، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.