وأنكرت الملحدة الحَجّ ، فقالت : إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء ، والسعي وهو يناقض الوَقَار ، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضادّ العقل ؛ فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة ؛ إذ لم يعرفوا لها حِكمة ولا عِلة ، وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد ، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه ، وإنما يتعين عليه الامتثال ، ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود.
ولهذا المعنى كان عليه السَّلام يقول في تلبيته : " لبيْك حقّاً حقّاً تعبُّداً ورِقاً لبيّك إله الحق " وروى الأئمَّة عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " "أيها الناس قد فَرض الله عليكم الحجَّ فحجّوا".
فقال رجل : كلَّ عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم" ثم قال : "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبَلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" " لفظ مسلم.
فبيّن هذا الحديثُ أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرضٍ أنه يكفي منه فعل مرّة ولا يقتضي التكرار ؛ خلافاً للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايِنِي وغيره.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه : يا رسول الله ، أحجُّنا لعامِنا هذا أم للأبد ؟ فقال : "لا بل للأبد".
وهذا نص في الردّ على من قال : يجب في كل خمس سنين مرة.
وقد كان الحج معلوماً عند العرب مشهوراً لديهم ، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتَبَرُّرِها وتحنُّفها ؛ فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا.