والعبادات المشروعة - على مشرعيها أفضل السلام - صور لمواقف الكملين من الأنبياء من ربهم ، وتماثيل تحكي عن مواردهم ومصادرهم في مسيرهم إلى مقام القرب والزلفى ، كما قال تعالى : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب - 21} أ هـ ﴿الميزان حـ1 صـ299﴾
قوله تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾
قال الفخر :
قوله : ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ واعلم أنه لا شبهة في أن قوله : ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً﴾ يريد من أراد بقوله : ﴿وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فعطف عليه بقوله تعالى : ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين.
أحدهما : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام.
والثاني : أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه.
أحدها : ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم ، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها.
وثانيها : أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته.
وثالثها : أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد إبراهيم ـ عليه السلام ـ عمارة الدين في الحال وفي المستقبل ، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين ، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة.