قوله تعالى ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)﴾
مناسبة الآية لما قبلها
قال البقاعى :
ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله : ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال : ﴿الحق﴾ أي الكامل في الثبات كائن ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالاً ، ولما تسبب عما مضى نقلاً وعقلاً الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال : ﴿فلا تكن من الممترين﴾ مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها ، وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى ، يتناقلونه معتقدين ما فيه ، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه ، لكنهم لا يتدبرون ، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام : اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك ، ثم قال : هكذا يقول : يقول الرب : أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك ، أنا الذي خلقت الكل ، وأنا الذي مددت السماء وحدي ، وأنا الذي ثبتّ الأرض ، أنا الذي أبطل آيات العرافين ، وأصير كل تعريفهم جهلاً ، وأرد الحكماء إلى خلفهم ، وأعرف أعمالهم للناس ، وأثبت كلمة عبيدي ، وأتمم قول رسلي ؛ ثم قال : أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء ، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري : لماذا تصنعني ؟ أو لعله يقول له : لست أنا من صنعتك ، الويل للذي يقول لأبيه : لماذا ولدتني ؟ أو لأمه : لماذا حبلت بي ؟ هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل ومخلصه : أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها ، وجعلت فيها الكواكب البهية. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 101 ـ 102﴾
فصل
قال الفخر :
في الحق تأويلان