قيل : فاجعلوا أنفسكم كلكم آلهة ، في غير موضع أنه سماه : "أباه ، وأباهم" ، كقوله : "أذهب إلى أبي وأبيكم" ، وفيه : "ولا تسبوا أباكم على الأرض ، فإن أباكم الذي في السماء وحده" ، وهذا كثير في الإنجيل ، وهو يدل على أن الأب عندهم الرب.
وإن جعلتموه إلهاً لأن تلاميذه ادعوا ذلك له ، وهم أعلم الناس به ؛ كذبتم أناجيلكم التي بأيديكم ، فكلها صريحة أظهر صراحة بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه من أنه عبد ، فهذا "متى" يقول في الفصل التاسع من إنجيله ، محتجاً بنبوة شعيا في المسيح عن الله عز وجل : "هذا عبدي الذي اصطفيته ، وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له" ، وفي الفصل الثامن من إنجيله : "إني أشكرك يارب" ، "ويارب السموات والأرض".
وهذا "لوقا" يقول في آخر إنجيله : "إن المسيح عرض له ولآخر من تلاميذه في الطريق ملكوهما محزونان ، فقال لهما وهما لا يعرفانه : ما بالكما محزونين ؟ ، فقالا : كأنك غريب في بيت المقدس ، إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر الناصري ، فإنه كان رجلاً نبياً قوياً تقياً في قوله وفعله عند الله وعند الأمة ، أخذوه وقتلوه".
وهذا كثير جداً في الإنجيل.
وإن قلتم : إننا جعلناه إلهاً لأنه صعد إلى السماء.
فهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء ، وهما حيان مكرمان لم تشكهما شوكة ، ولا طمع فيهما طامع ، والمسلمون مجمعون على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماء وهو عبد محض ، وهذه الملائكة تصعد إلى السماء ، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ، ولا تخرج بذلك عن العبودية ، وهل كان الصعود إلى السماء مخرج عن العبودية بوجه من الوجوه ؟ !!.
وإن جعلتموه إلهاً لأن الأنبياء سمته إلهاً ورباً وسيداً ، ونحو ذلك ، فلم يزل كثير من أسماء الله عز وجل تعلق على غيره عند جميع الأمم وفي سائر الكتب ، وما زالت الروم والفرس والهند والسريانيون والعبرانيون والقبط وغيرهم يسمون ملوكهم آلهة وأرباباً.