وقال الآلوسى :
﴿ قَالَتْ ﴾ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا كان منها حين قالت لها الملائكة ذلك ؟ فقيل : ﴿ قَالَتْ رَبّ أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ ﴾ يحتمل أن يكون الاستفهام مجازياً والمراد التعجب من ذلك والاستبعاد العادي ، ويحتمل أن يكون حقيقياً على معنى أنه يكون بتزوج أو غيره ، وقيل : يحتمل أن يكون استفهاماً عن أنه من أي شخص يكون ، وإعراب هذه الجملة على نحو إعراب الجملة السابقة في قصة زكريا عليه السلام ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ ﴾ جملة حالية محققة لما مر ومقوية له ، والمسيس هنا كناية عن الوطء وهذا نفي عام للتزوج وغيره ، والبشر يطلق على الواحد والجمع ، والتنكير للعموم ، والمراد عموم النفي لا نفي العموم ، وسمي بشراً لظهور بشرته أو لأن الله تعالى باشر أباه وخلقه بيديه.
﴿ قَالَ ﴾ استئناف كسابقه ، والفاعل ضمير الرب والملك حكى لها المقول وهو قوله سبحانه : ﴿ كذلك الله يَخْلُقُ ﴾ إما بلا تغيير فيكون فيه التفات ، وإما بتغيير ، وقيل : إن الله تعالى قال لها ذلك بلا واسطة ملك ، والأول : مبني على أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : القائل جبريل عليه السلام وليس على سبيل الحكاية والقرينة عليه ذكر الملائكة عليهم السلام قبله ، وحمل ﴿ قَالَتْ رَبّ ﴾ فيما تقدم على ذلك أبعد بعيد ، وقد مر عليك الكلام في مثل هذه الجملة خلا أن التعبير هنا بيخلق وهناك بيفعل لاختلاف القصتين في الغرابة فإن الثانية : أغرب فالخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بها ولهذا عقبه ببيان كيفيته فقال سبحانه : ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ أي أراد شيئاً فالأمر واحد الأمور ، والقضاء في الأصل الأحكام ، وأطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بإيجاد المعدوم وإعدام الموجود وسميت بذلك لإيجابها ما تعلقت به ألبتة ويطلق على الأمر ، ومنه ﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ [ الإسراء : 23 ].