قوله تعالى { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
مناسبة الآية لما قبلها
قال البقاعى :
ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال ﴿فنادته﴾ أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته ﴿الملائكة﴾ يعني هذا النوع ، لا كلهم بل ناداه البعض ، وكان متهيئاً بما آتاه الله سبحانه وتعالى من المفضل لمناداة الكل ، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل ﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ وهو موضع محاربة العابد للشيطان ، وهو أشرف الأماكن لذلك.
قال الحرالي : فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام ، وسجود يقابله ، وركوع متوسط ، فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى.
ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال : بأي شيء نادته الملائكة ؟ قوله : ﴿أن الله يبشرك﴾ قال الحرالي : فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني الأسماء ، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية ؛ وفي قوله : ﴿بيحيى﴾ مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل : قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائماً ، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى.
﴿مصدقاً بكلمة﴾ أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية ، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو ، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب.
قال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى ، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة ، ففي قوله : ﴿من الله﴾ إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى.