وكانت مريم تقول : هو من عند الله لا من عند مخلوق ، فيكون لزكريا فيه راحتان : إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى ، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها ، ولم يسبق به. قوله : ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ ﴾ فلفظة كلَّما للتكرار وفي هذا إشارة : وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها - وإنْ وجد عندها رزقًا - بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً ؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً ، ويجوز ألا يظهر ، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها ، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله : ﴿ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ ؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس ، فإنه لا واجب على الله سبحانه.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ إيضاح عن عين التوحيد ، وأن رزقه للعباد ، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته ، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم. أ هـ ﴿لطائف الإشارات حـ 1 صـ 238 ـ 239﴾