عليه ، ولما قرر توحيده قرر عدله ، فقال : ﴿ قائمًا بالقسط ﴾ أي : لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده ، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه ، وفيما خلقه وقدره ، ثم أعاد تقرير توحيده فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية ، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس ، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله ، من الأمر به وتقريره ، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم ، وذم الشرك وأهله ، فهو من الأدلة النقلية على ذلك ، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه ، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها ، فمن أعظمها : الاعتراف بربوبية الله ، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم ، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله ، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة ، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار ، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا ، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك : ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه ، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها ، وسلبها الأسماع والأبصار ، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا ، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص ، وما أخبر به عن نفسه
جامع لطائف التفسير · الصفحة ٤٧٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
جامع لطائف التفسيرص ٤٧٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي