تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ 170}

فائدة

قال ابن عاشور :

تعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأن المزين للناس هو الشهوات ، أي المشتهيات نفسها ، لا حبها ، فإذا زينت لهم أحبوها ؛ فإن الحب ينشأ عن الاستحسان ، وليس الحب بمزين ، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبوها ، وقد سكت المفسرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق.

والوجه عندي إما أن يجعل ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ مصدرا نائبا عن مفعول مطلق ، مبينا لنوع التزيين : أي زين لهم تزيين حب ، وهو أشد التزيين ، وجعل المفعول المطلق نائبا عن الفاعل ، وأصل الكلام : زين للناس الشهوات حبا ، فحول وأضيف إلى النائب عن الفاعل ، وجعل نائبا عن الفاعل ، كما جعل مفعولا في قوله تعالى ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص : 32]. وإما أن يجعل حب مصدرا بمعنى المفعول ، أي محبوب الشهوات أي الشهوات المحبوبة. وإما أن يجعل زين كناية مرادا به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزين من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار ، فعبر عن ذلك بالتزيين ، أي تحسين ما ليس بخالص الحسن فإن مشتهيات الناس تشمل على أمور ملائمة مقبولة ، وقد تكون في كثير منها مضار ، أشهدها أنها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزين تغطي نقائصه بالمزينات ، وبذلك لم يبق في تعليق زين بحب إشكال.

وحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين ، لأن ما يدل على الغرائز والسجايا ، لما جهل فاعله في متعارف العموم ، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول : كقولهم عني بكذا ، واضطر إلى كذا ، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين ، وهو الإغضاء عما في المزين من المساوي ؛ لأن الفاعل لم يبق مقصودا بحال ، والمزين في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحب الشهوات ، وذلك أمر جبلي جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى ﴿وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ [يس : 72].

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٤٦٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٤٦٤٤