وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى ﴿ابتغاء تأويله﴾ أنهم طلبوا تأويل بعثِهم وإحيائهم ، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله.
قال : والدليل على ذلك قوله تعالى : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [ الأعراف : 53 ] أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ﴿يَقُولُ الَّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي تركوه ﴿قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾ [ الأعراف : 53 ] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرّسل.
قال : فالوقف على قوله تعالى : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 4 صـ 13 ـ 15﴾
فصل
قال ابن عاشور :
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق ؛ لأنه لما قسم الكتاب إلى محكم ومتشابه ، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني ، تشوقت النفس إلى معرفة تلقي الناس للمتشابه. أما المحكم فتلقي الناس له على طريقة واحدة ، فلا حاجة إلى تفصيل فيه ، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه : وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقيهم للمتشابهات ؛ لأن بيان هذا هو الأهم في الغرض المسوق له الكلام ، وهو كشف شبهة الذين غرتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حق تأويلها ، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيصرح بإجمال حال المهتدين في تلقي متشابهات القرآن.
والقلوب محال الإدراك ، وهي العقول ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة : 283] في سورة البقرة.
والزيغ : الميل والانحراف عن المقصود : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ [النجم : 17] ويقال : زاغت الشمس. فالزيغ أخص من الميل ؛ لأنه ميل عن الصواب والمقصود.