الحجة الرابعة : لو كان قوله ﴿والراسخون فِي العلم﴾ معطوفاً على قوله ﴿إِلاَّ الله﴾ لصار قوله ﴿يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ﴾ ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به.
فإن قيل : في تصحيحه وجهان الأول : أن قوله ﴿يَقُولُونَ﴾ كلام مبتدأ ، والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني : أن يكون ﴿يَقُولُونَ﴾ حالا من الراسخين.
قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله ﴿يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ﴾ حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركاً للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى.
الحجة الخامسة : قوله تعالى : ﴿كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا﴾ يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة.
الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحداً جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.
وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 152 ـ 154﴾
وقال القرطبى :
والتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا.
ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه.