وقد قيل : القرأن كله محكم : لقوله تعالى : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [ هود : 1 ] وقيل : كله متشابه ؛ لقوله : ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [ الزمر : 23 ].
قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ؛ فإن قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [ هود : 1 ] أي في النظم والرصْف وأنه حق من عند الله.
ومعنى "كتاباً مُتَشَابِهاً" ، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
وليس المراد بقوله "آيَاتٌ مُحُكَمَاتٌ" "وأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ" هذا المعنى ؛ وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه ، من قوله ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [ البقرة : 70 ] أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر.
والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحداً.
وقيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ، ثم إذا رُدَّتْ الوجوه إلى وجه واحد وأبطِل الباقي صار المتشابه محكماً.
فالمحكم أبداً أصل تردّ إليه الفروع ، والمتشابه هو الفرع.
وقال ابن عباس : المحكمات هو قوله في سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [ الأنعام : 151 ] إلى ثلاث آيات ، وقوله في بني إسرائيل ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [ الإسراء : 23 ] قال ابن عطية : وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات.
وقال ابن عباس أيضاً ؛ المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات المنسوخات ومقدّمه ومؤخّره وأمثالُه وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ، وقال ابن مسعود وغيره : المحكمات الناسخات ، والمتشابهات المنسوخات ، وقاله قتادة والربيع والضحاك.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.